خصوصية أهل المدينة أنهم يواجهون الساحة من خلال نقاط الضعف اليوميّة الموجودة فيها ، ويتحركون فيها من خلال الخطوط المتشابكة التي لا تتمكن من الفصل بين لون ولون وموقع وموقع ، مما يؤدي إلى الكثير من المرونة في الحركة واللعب على حركة الواقع في استغلال للعواطف والمواقف ، (لا تَعْلَمُهُمْ) لأنك لا تحيط بالغيب في كثير من الأجواء المحيطة بك أو البعيدة عنك ، مما يحتاج إلى الاطلاع على خفايا الأشياء ودوافعها ونتائجها المستقبليّة مما لا يعلمه إلّا الله (نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) لأننا نعلم كل خفايا الأوضاع والأسرار (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) ربما كان ذلك عذاب الموت وعذاب الحساب في القبر ، وربما كان هناك وجه آخر للمسألة غير ذلك في ما ينتظرهم من عذاب الدنيا بشكل متكرّر ، (ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ) في ما ينتظرهم من عذاب الآخرة.
* * *
المعترفون بذنوبهم
وتأتي الصورة المزدوجة ، التي تحمل الجانب المشرق من الصورة ، بإزاء الجانب المظلم منها ، في ما يمثله العمل الصالح في بعض المجالات ، والعمل السيئ في بعض آخر ، ولكنها تتحرك ، على كل حال ، من موقع الإيمان الصحيح ، الذي إن انحرف الإنسان معه عن الخط المستقيم للعمل ، فإنه لا ينحرف من حالة عمق في الذات ، بل من حالة طارئة متحركة توحي للإنسان بالغفلة التي قد يعود عنها في وقت قريب (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) عند ما اكتشفوا وجه الخطأ في مسيرتهم ، فرجعوا إلى الله في موقف اعتراف وابتهال ، (خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً) فوقفوا بين موقع يبعث فيهم الأمل ، وموقع يقودهم إلى اليأس. ولكن الأمل يتغلب على اليأس ، لأن المؤمن لا ييأس من روح الله ، فيبقى في خطّ الرحمة والعفو وفي أجواء الأمل ، (عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) لأن رحمته سبقت غضبه (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
