مفاهيم وشرائع وأساليب للفكر والعمل والحياة ، لأن ذلك يفرض عليهم الاقتراب من مصادر المعرفة التي تقرّبهم إلى خطّ الالتزام من موقع الفكر والمعاناة ، مما يدفعهم إلى معرفة الفواصل بين خط الإسلام وخط الكفر ، أو بين خط الاستقامة وخط الانحراف ، (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) في ما يوحي لرسوله مما يتناسب مع حاجة الناس إلى الهداية وينسجم مع مصالحهم الحقيقية في الحياة.
(وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً) فينفق ليوحي للآخرين بانسجامه مع الخط الإسلامي في الإنفاق والعطاء ، ولكنه عند ما يجلس إلى نفسه أو إلى قومه ، فإنه يعتبره غرامة وخسارة ، لأنه لا يجد هناك أيّ عوض عمّا أنفق في ما يعتقده من قضايا الجزاء ، الذي لا يفهم منه إلا الجانب المادي من التعويض ، أمّا ثواب الله ورضوانه ، فهو حديث خرافة ، (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ) التي تدور على المسلمين ، فينتظرون غلبة المشركين عليكم ، ليأخذوا حرّيتهم في ما يريدون أن يعملوا أو في ما لا يريدونه. (عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ) أي دارت عليهم دائرة السوء ، في ما يبعث الله لهم من عذابه وعقابه ، وذلك على أسلوب الدعاء ، (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) فهو يسمع نجواهم في ما يتناجون به من السوء ، ويعلم ضمائرهم في ما يضمرونه من شرّ. وتلك هي الصورة المظلمة من مواقع الأعراب في موقفهم تجاه الله ورسوله والمسلمين.
* * *
ومن الأعراب مؤمنون
ولكن هل هذه هي كل الصورة ، أم أنّ هناك وجها آخر مشرقا يفيض بالنور والخير والإيمان؟ إن الله يطرح علينا النموذج الآخر من الصورة ، الذي يعطينا الفكرة في أن البداوة لا تعني الحكم بالإعدام على كل انطلاقات الضوء في العقول والأفكار والمشاعر ، بل ربما تكتشف في عمقها الإنساني وصفاء شعورها الروحي ، ما يدفعها إلى العطاء والبذل والتضحية قربة إلى الله.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
