نقض العهد يعقبه نفاق في القلب
(فَأَعْقَبَهُمْ) ذلك (نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ) ممتدا في امتداد الحياة بهم (إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ) يوم القيامة عند ما يلاقون الله غدا ، فيكشف ما أضمروه من زيف ، وما عاشوه من نفاق ، مما قد خفي أمره على الناس في الدنيا ، (بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ) لأن القضية لم تكن مجرّد حالة طارئة في فعل معيّن ، بل كانت منطلقة من عقدة مرضيّة كامنة في النفس ، باعثة على إخلاف الوعد عن سابق قصد وتصوّر وتصميم ، (وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ) باعتبار أن الكذب يمنحهم فرصة الهروب من المواقف الحاسمة التي تتحدى فيهم حركة الإيمان في حركة الإنسان في الواقع. وهكذا يهربون من موقع إلى موقع ، في عملية اختباء واختفاء وتراجع عن الكلمات والعهود والمواقف ، في غفلة عن انكشاف أمرهم عند الله. (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ) في ما يفكرون به في داخل ضمائرهم ، ويتناجون به ـ بطريقة سريّة ـ فيما بينهم ، في ما يحاولونه من اللعب على المواقف والكلمات ، فكيف يغفلون عن هذه الحقيقة ، ويتصرفون في الحياة بعيدا عنها ، فإذا كانوا يملكون إخفاء أمرهم عن الناس في ما يملكون غطاءه ، فكيف يملكون إخفاء ذلك عن الله الذي يعلم سرهم ونجواهم (وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من شؤون خلقه في كل أمورهم الظاهرة والخفيّة.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
