لا يريدون ، فإن الله قادر على أن يحقق القوّة من أكثر من سبب غير مألوف ، لأنه هو الذي أعطى للأسباب المألوفة سببيتها. وهذا هو ما أكّده في كثير من المواقف التي نصر الله بها نبيّه في ساعات الشدّة ، في الوقت الذي كانت كل الظروف العادية منطلقة في أجواء الهزيمة.
وهذا ما تثيره الآية في حديثها عن موقف النبي في ليلة الهجرة ، فقد حاصرته قريش من كل جانب ، وسدّت عليه كل نوافذ الخروج من بيته بعيدا عن رقابتهم من أجل أن تقضي عليه ، ولكن الله أنقذه منهم بطريقة غير عادية ، عند ما خرج من بيته ، تاركا ابن عمه عليا يبيت في فراشه ، ليوهمهم أنه لا يزال هناك ، فأغلق الله أبصارهم عنه ، عند ما رمى التراب فوق رؤوسهم وقرأ عليهم الآية (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) [يس : ٩] ومرّ من بينهم فلم يبصره أحد .. وسار بعد ذلك حتى دخل الغار ـ غار ثور ـ في الطريق إلى المدينة ، ومعه أبو بكر وتراجع القوم عن ذلك ، وردّهم الله على أعقابهم خاسرين ، من خلال ما دبّره الله من أسباب غير مألوفة.
* * *
نصرة الله للرسول
(إِلَّا تَنْصُرُوهُ) إن امتنعتم عن نصره ، فإن الله لا يعجز عن ذلك ، كما فعل في ليلة الهجرة (فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ) وخلّصه من أيدي قريش التي أطبقت على بيته وانتظرت الصباح لتهجم عليه (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) من موطنه (ثانِيَ اثْنَيْنِ) ، فقد كان معه أبو بكر الذي تواعد وإيّاه على الخروج معا حتى دخلا الغار ، وأقبلت قريش حتى وقفت على بابه ، وبدأ الحوار في ما بينهم ، بين قائل يحثّهم على الدخول ، وقائل يدفعهم إلى الرجوع.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
