إلى النّاس ، فلا صفة له إلّا صفة الرسالة ، ولا طاقة له إلّا الطاقة الّتي وهبها الله له. وقد تقدم الحديث عن بعض هذه الأمور في سورة آل عمران ، من تكليمه النّاس في المهد وفي حالة الكهولة ، وقيامه بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله. وجاءت الآيات هنا ، لتثير تأييده بروح القدس ، في ما يمثّله ذلك من قوّة روحيّة خفيّة ، كانت بمثابة الأساس لكل ما حدث له ، وصدر عنه ، لأنّ الطاقة البشريّة في طبيعتها ، لا تملك القيام بذلك كله بعيدا عمّا يمنحه الله لها من تأييد روحيّ معجز ، وقد يكون تصوّر المعنى المقصود من روح القدس غامضا بعض الشيء ، لأنّ ذلك ليس من الأمور الماديّة الّتي تدخل في نطاق التصوّر البشري ، ولكنّنا نعرف ـ من خلال معطيات القرآن الكريم ـ أنه يمثل لونا من ألوان اللطف الإلهي الّذي تتمثّل فيه القدرة المطلقة ، الّتي بها تتميّز الأشياء بخصائصها ، وتبدع الأمور بطاقاتها. فمن ذا الّذي يستطيع أن يكلم النّاس في المهد من خلال التكوين البشري الذاتي في ما يملكه البشر من خصائص القدرة على التكلم الواعي الناضج على أساس النمو الّذي يحتاج إلى مراحل متقدمة من العمر والتربية والتعليم؟ ليس هناك إلّا القدرة الإلهيّة الّتي تمنح الأشخاص بعضا من لطفها الّذي به يقول للشيء : (كُنْ فَيَكُونُ) فلا مجال لوجود أجزاء إلهيّة في ما يتصوره النّاس من أضاليلهم ، بل كل ما هناك ، هو مظهر القدرة بالطريقة المألوفة أو غير المألوفة.
وانتهت الآية إلى إبراز الدعم والتأييد الإلهي القوي لعيسى عليهالسلام في مواجهة «بني إسرائيل» (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ) حيث كفّ شرّهم عنه ، لا سيما الكفّار منهم ، (فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) رموه بالسحر على عادتهم مع الأنبياء الآخرين ، فهم لا يناقشون الأفكار الّتي يثيرونها في حياتهم ، ولا يتدبرون المعاجز الّتي يقدمونها إليهم ، بل يرفضون ذلك كلّه بما اعتادوه من كلمات غير مسئولة ، ولكنّ الله قهرهم
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٨ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3269_tafsir-men-wahi-alquran-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
