عليه ، وهذا هو المناسب لقولهم : (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ، ولا ظهور لذلك في ما قاله من أنّ حصر العلم بالغيب بالله يدل على «أنّ المنفي ليس أصل العلم بل لحق العلم» وهو الإحاطة بجميع أجزاء الوجود ثمّ بصاحبه المتعالي من أن يحيط به شيء ، بل الآية ظاهرة بأنّ الغيب ـ في كل ما لم يصل إليه الإنسان ولم يملك الوسيلة إلى معرفته من خلال الحس والفكر ـ هو من خصوصيات الله ، ولهذا فإنّ نفيهم العلم عن أنفسهم في هذا الأمر الغيبي ، لأنّهم لا يملكون علم الغيب ـ إلّا ما عرّفهم إياه ـ لأنّهم لا يملكون الطريق إليه.
أمّا استدلاله بدور الشهادة فغير تام ، لأنّ مسألة الشهادة متعلقة بما وصل إليهم علمه مما كان يدور في حياتهم في تجربتهم الرساليّة ، لا في كل الأمور الّتي غابت عنهم بعد وفاتهم ، ولعلّ هذا ما نستوحيه من قوله تعالى ، في حديثه عن حوارة مع عيسى عليهالسلام عند ما سأله الله : (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ) فأجاب ـ عليهالسلام ـ بما جاء في قوله تعالى : (وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ* ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة : ١١٦ ـ ١١٧].
فإنّنا نقرأ في هاتين الآيتين أنّ النّبيّ مسئول عن أن يقدّم حسابه عمّا قام به في حياته وما واجهه من القضايا ، وأمّا شهادته على قومه ، فإنّها مختصة بالفترة الّتي كان فيها معهم ، فلا شمول للشهادة إلى ما غاب عنه علمه ، ولم يعلّمه الله إياه قبل ذلك ، مع ملاحظة أنّ الشهادة تتبع الشهود الحسي للواقع ليشهد بما رآه في واقعهم الرسالي ، فلا يشمل ما بعد ذلك.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٨ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3269_tafsir-men-wahi-alquran-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
