وذلك أولا : «لأنّ الله سبحانه جعلهم شهداء على أممهم كما ذكره في قوله : (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء : ٤١]. وقال : (وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ) [الزمر : ٦٩] ولا معنى لجعلهم شهداء إلّا ليشهدوا على أممهم يوم القيامة بما هو حقّ الشهادة يومئذ ، فلا محالة هم سيشهدون يومئذ كما قدّر الله ذلك ، فقولهم يومئذ : (لا عِلْمَ لَنا) جري على الأدب العبودي قبال الملك الحقّ الّذي له الأمر والملك يومئذ ، وبيان لحقيقة الحال ، وهو أنّه هو يملك العلم لذاته ولا يملك غيره إلّا ما ملكه ، ولا ضير أن يجيبوا بعد هذا الجواب بما لهم من العلم الموهوب المتعلّق بأحوال أممهم ...
وأمّا ثانيا : فلأنّ الله سبحانه ، أثبت العلم لطائفة من مقربي عباده يوم القيامة على ما له من الشأن ...
وأمّا ثالثا : فلأنّ القرآن يذكر السؤال عن المرسلين والمرسل إليهم جميعا كما قال تعالى: (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف : ٦] ثمّ ذكر عن الأمم المرسل إليهم جوابات كثيرة عن سؤالات كثيرة ، والجواب يستلزم العلم كما أنّ السؤال يقرره» (١). انتهى ملخصا.
ونحن نلاحظ على ما ذكره أنّه على خلاف ظاهر الآية في سياقها الفكري في الموضوع الّذي جاءت الآية لتأكيده ، وهو أنّ الأنبياء لم يطلعوا على الواقع الّذي كان يعيشه النّاس من بعدهم لأنّهم لم يملكوا معرفته ـ حتّى بواسطة العلم الّذي يمنحهم الله إياه من غيبه المستقبلي ـ لأنّه لم يمنحهم علم ذلك ، إذ لا حاجة لهم به في مهمتهم الرساليّة المقتصرة على إبلاغ الرسالة للنّاس بكل الوسائل المتاحة لهم ، فالآية تدل على أنّ الرسل كانوا في مقام نفي العلم عن معرفة النتائج الحاسمة الأخيرة في الموضوع ، لأنّه غيب الله الّذي لم يطلعوا
__________________
(١) م. س. ، ج : ٦ ، ص : ٢٠٠ ـ ٢٠١.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٨ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3269_tafsir-men-wahi-alquran-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
