من خطة فكرية ، بل هو ناشئ من عقدة ذاتية ، فهؤلاء المسلمون لا يعيشون الأفق الضيق في الإيمان ، ولا يدورون في محور محدود ، بل تتسع آفاقهم لتشمل كل الرسالات وكل الرسل ، فلا يتركون مجالا لحالة عدائية في خط المجابهة ، لأنّهم يحترمون ما يحترمه الآخرون ، بينما يسيء الآخرون إلى ما يحترمونه ، مما يفقد الآخرين حجة اللجوء إلى الخصام والنزاع ، ويحوّل موقفهم بالتالي إلى عقدة مرضيّة مستحكمة ، ويظل الجوّ الذي أثاره الحوار يبحث عن جواب ، ولا جواب.
ويعنف الأسلوب ، وتتغير اللهجة ، فهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ، ولا يريدون السير في خط الحوار ، فلا بدّ من تصفية الموقف معهم ، وإعلان الحرب عليهم ، والوصول من خلال ذلك إلى النتيجة الحاسمة ، فكانت المسألة هي الحديث عمّا ينتظر هؤلاء من عذاب وما يمثله ذلك من موقع ، (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ) ، والمثوبة هي الجزاء بالخير ، ولكنّ الله أراد بها ـ هنا ـ الجزاء بالشر ، على سبيل التهكم والاستهزاء ، (مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) فقد لعنهم الله وأبعدهم عن ساحة رحمته ، وغضب عليهم ، لما واجهوه به من التمرّد ، (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ) في عملية المسخ ، (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) وقد عبدوا الطاغوت الّذي أرادهم الله أن يكفروا به ، في ما يمثّله من انحراف في العقيدة والعمل وخط الحياة ، (أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً) ، لأنّ مواقعهم الّتي يقفون فيها لا تمثّل أيّ جانب من جوانب الخير بل هي الشر كله ، في ما يمثّل من خلفيات ذاتية وأعمال ضالة ، ومواقف منحرفة ، وسعي في إقامة الفساد في الأرض ، (وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ). وأيّ ضلال أشدّ من التمرّد على الله في ما أمر به من طاعة رسله ، وإقامة شريعته في الأرض ، وأيّ انحراف عن الخط المستقيم أكثر من الانحراف عن الحجج الواضحة والبراهين القاطعة الّتي تضع الحقيقة في نصابها الصحيح بعيدا عن كل حالات الريب والشك؟!
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٨ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3269_tafsir-men-wahi-alquran-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
