ويعود الحديث إلى ملامح النفاق في سلوكهم ، فهم يتلونون بكلمات الكفر والإيمان ، تبعا لمطامعهم وشهواتهم ، (وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ) لأنّهم كانوا يحملونه في جوانحهم ، وفي أعماق قلوبهم ، وفي آفاق أفكارهم ، (وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) لأنّ تلك الكلمات الاستعراضية لم تكن موقفا يلتزمونه ، بل كانت نفاقا يمارسونه ، ليتخلصوا من إحراج الأجواء المحيطة بهم ، ولينفذوا إلى داخل المجتمع من موقع حميم ، ولكنّ حيلتهم لا تخفى ، وخططهم لا تنجح (وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ) ، لأنّه الرب (اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) [آل عمران : ٥] (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [المائدة : ٤٠].
(وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) في ما ينطلقون به من كلمات الشر والفساد ويتحركون فيه من حركات الضلال والإضلال والعدوان ، بما يثيرونه من أقاويل السوء ضدّ الأنبياء والأولياء ودعاة الصلاح والإصلاح ، وبما يتآمرون به ضد الإسلام والمسلمين ، وبما يعتدون به على حقوق النّاس الضعفاء ممن حولهم بكل أساليب الاعتداء في القول والفعل ، (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) وهو الحرام في ما يأكلونه من الرّبا الحرام ، والرشوة المحرمة ، والغش والسرقة والخيانة ، وغير ذلك من أنواع أكل المال بالباطل ، (لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) لأنّ تلك الأعمال تمثّل أكثر الأعمال بعدا عن خط الخير والإنسانيّة ، وأشدّها قربا من غضب الله وسخطه.
وكان لهم ربانيون ، يتخذون لأنفسهم مواقع النّاس المخلصين لله ، وأحبار يملكون من العلم ما يرتفع بمنزلتهم إلى الدرجات العليا ، ولكنّهم كانوا يسكتون عنهم ، ولا ينهونهم عن قولهم الإثم وأكلهم السّحت ، خوفا ومجاملة وغير ذلك من النوازع الذاتية الّتي تمنع المصلحين من الجهر بكلمة الإصلاح
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٨ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3269_tafsir-men-wahi-alquran-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
