وربما كان السر في ذلك ، أن العاطفة الطبيعية ـ وحدها ـ لا توحي بحركة المسؤولية في الداخل في مستوى العمق ، إذا لم نمنحها الفرصة الكافية للتدرّب على الممارسة والتعبير في أوضاع اجتماعية متنوّعة ؛ فإن الابتعاد عن ذلك في أساليب التربية ، يبعد الفرد عن الإحساس المتواصل بالآخرين في آلامهم وآمالهم ، أمّا إذا عاش المسؤولية في القضايا الصغيرة أو الكبيرة من ناحية إلزامية ، من خلال ما تفرضه الواجبات والمحرمات ؛ أو من ناحية غير إلزامية ؛ من خلال ما تفرضه المستحبات أو المكروهات ، فإن القضية تختلف ، لأن ذلك يحقق له التنمية الروحية في صلته بالآخرين ، في ما يفكر لهم ، أو ما يخطط لقضاياهم ، أو ما يمارسه معهم ، في مواقع العطاء الروحي والمادي ... فإذا التقت المسؤولية بخط الإيمان بالله ، وتحركت على أساس الحصول على رضا الله ، بما يمثله ذلك من الشعور بالمسؤولية أمامه في رعايته لعباده ، كانت النتائج أكثر عمقا وأشد تأثيرا.
وقد نضيف إلى هذا العنصر عنصرا آخر يتعلق بالطرف الآخر الذي تتعلق المسؤولية بحياته ؛ فإن وجود شخص معين مسئول عنه ، يجعله يشعر بالحماية والرعاية الخاصة ، مما يبعده عن مشاعر القلق والضياع والحيرة والارتباك ، ويعمّق العلاقة بينهما. وهذا قد لا يتحقق فيما إذا كانت المسؤولية كلها من شؤون الدولة ، التي قد تضيع كثيرا من حقوق الإنسان وحاجاته ، أو تؤخّرها إلى وقت طويل. ولعل التجربة الإنسانية الطويلة التي عاشها الإنسان في ظل هذا التشريع ، تستطيع أن تعطينا الفكرة الواضحة عن نجاح هذا الاتجاه في التشريع ، بالرغم من بعض السلبيات الجزئية فيه.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
