وفي الحالة الثانية ـ حالة العلاقة بالذين تركوا هذه الحياة تجاه الذين لا يزالون أحياء من بعدهم ـ يعيش الإنسان الشعور بامتداد العلاقة الإنسانية بينه وبين أولئك الناس ، لأنه يجدها في كل هذا الإرث الذي بقي له في ما يأكله أو يلبسه أو يسكن فيه أو يستمتع به. وبهذا يشعر كل جيل ـ في عملية تعاقب الأجيال ـ بقيمة الجيل السابق بالنسبة إليه ، سواء في ذلك القيمة العلمية والسياسية من خلال ما يتركه له من علم أو من موقع سياسي ؛ أو القيمة المادية من خلال ما يتركه من إرث مادي شخصي أو عام ، وقد يدفع هذا الجو الذاتي الإنسان قبل موته إلى مضاعفة جهوده في الإنتاج ليستطيع ضمان مستقبل هؤلاء الناس الذين يعيشون بعده من أولاده أو من غيرهم ، الأمر الذي يعطي الحياة معنى أسمى ويعمّق التعاطف الداخلي بينه وبينهم ، ليتجاوز حالة الحياة إلى ما بعد الموت ، في عملية لتحريك التاريخ الشخصي في عمق الواقع الإنساني المتحرك.
* * *
النقطة الثانية : إن الإرث يعتبر إحدى الوسائل الإسلامية التي أراد منها الإسلام تفتيت الثروة لئلا تتجمع في يد شخص واحد ، خلافا للطريقة المألوفة في الجاهلية عند ما كانت تفرض انتقال الثروة للولد الأكبر ، بكل ما فيها من العوامل السلبية ، في ما تمثّله من إفساد وظلم واستغلال للآخرين. وإذا اقتضت الصدفة أن تنتقل التركة إلى وارث واحد في مرحلة من المراحل ، فإن رحلة الحياة والموت في المراحل الأخرى تتكفل بتوزيعها بين أكثر من شخص ، وهكذا حتى تذوب في نهاية المطاف. ولعل هذا الأسلوب يعطي نوعا من الحيوية في الجانب التبادليّ للقضاء أو السيطرة على تجمّع الثروة في يد إنسان واحد ، والعمل على أن تتحرك لمصالحة الحياة الفرديّة في المجتمع.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
