الفطرة الصافية عن قرب ، لأن ذلك هو السبيل الصحيح للإيمان الحق ، حيث يهيّئ الجو للفطرة أن تمتد وتتحرك من أجل الوصول إلى الحقيقة من أقرب طريق ... وبهذا ندرك أن القرآن الكريم لم يدخل مع هؤلاء في جدل فلسفي حول قضية التثليث والوحدة وما يلزم ذلك أو يستتبعه من الوقوع في الفروض المستحيلة ، بل اكتفى بالتأكيد على الوحدة التي يقرها هؤلاء ، وتقتضيها الأدلة ، ثم أطلق النهي عن القول بالتثليث ، وأكّد كفر القائلين به ، لأنه يتنافى مع التوحيد الذي يرفض تعدد مظاهر الطبيعة الواحدة ، كما يفرض تعدد الطبائع ؛ فإن التوحيد الإلهي ، لا يلتقي بأيّ معنى من هذه المعاني. وترك للفطرة أن تقارن ـ بعد ذلك ـ وتحكيم ، دون أن يحدّد لها تفاصيل المقارنة والحكم ، انطلاقا من المنهج القرآني الذي يحاول أن يشقّ الطريق للفكر ويدلّه على المنهج ، ثم يدع له أمر سلوكه أو الاطلاع على ما فيه ، والاستفادة من كل ذلك في كل ما يريد ؛ ذلك هو الخط العريض للفكرة ، من وجهة عامة.
أمّا قضية المسيح عيسى ابن مريم بالذات ، فلا يمكن أن يتصور فيها ذلك ، مع غضّ النظر عن استحالة الفكرة في ذاتها ، لأن فكرة ابن الله تلتقي مع فكرة أنه الله ، كما أشرنا إلى ذلك في ما تقدم من حديث ، وكيف يمكننا أن نقرّ بذلك في ما يتصف بكل خصائص البشرية ولوازمها ، تماما كأيّ بشر عادي؟ وقد ركّز القرآن في أكثر من آية على استعراض الخصائص البشرية في وجود عيسى منذ ولادته إلى أن رفعه الله إليه ، ثم أفاض في وصف ولادته وما أحاط بها من العوارض التي عرضت له في حياته ، كجسد يتأثر بكل ما يتأثّر به الجسد في دائرة الحياة والموت ، مما يتنافى مع أية طبيعة إلهية.
أما قصة ولادته الخارجة عن نواميس الطبيعة العادية ، وما قام به من معاجز وخوارق ، فلا يمكن اعتبارها دليلا على الجانب الإلهي فيه ، لأن
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
