موضوع الولادة غير المألوفة كان متمثلا في آدم قبله ، بصورة أكثر من ذلك ، إذ ليس لآدم ولادة بالمعنى الطبيعي للولادة. أما الخوارق ، فقد حدثت على أيدي الأنبياء باعتراف كتب العهدين ، من دون أن يكون في هذا أو ذاك ما يوجب اعتبار آدم إلها ، أو القول بألوهية الأنبياء.
ويؤكد القرآن هذه الحقيقة من خلال الحياة العادية للمسيح ، فيعلن أن (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ) من خلال الالتزام والممارسة ، لأنها الحقيقة الواضحة التي تفرض نفسها على كيانه. وقد كانت سيرته في حياته ، في الدعوة إلى الله الواحد ، وفي خضوعه العملي له ، دليلا على ذلك ، (وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) سيستنكفون من ذلك ، بل يؤكدون هذه العبودية بكل ما لديهم من وسائل التعبير المتنوعة في مظاهر العبادة ، بكلّ ما لديهم من مشاعر الانسحاق أمام عظمة الله ...
ولا تتوقف هذه الآية عند حدود هذا التقرير للحقيقة في حياة السيد المسيح والملائكة المقرّبين ، بل تواجه الموقف بالتهديد الإلهي لكل الذين يعيشون حياتهم بعيدا عن ذلك ، من خلال ابتعادهم عن عبادة الله استنكافا وتكبّرا (وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً) ليواجه المتعبدون والمستكبرون حركة هذه الحقيقة في مصيرهم ، عند ما يحشرون إلى الله ، ليروا أن القوة لله ، وأن العزة له ؛ فله الملك وله السلطة المطلقة في كل خلقه ، وبيده الأمر كله. (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) ، جزاء لإخلاصهم ولعملهم ، (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً) ، لأنهم لم يستسلموا للإيمان الذي يفرض نفسه على فكرهم وشعورهم ، ولكنهم يتمرّدون عليه (وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) ...
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
