عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) [المائدة : ٨].
أما الرواية الثانية ، فإنها تصور النبي لنا في الوهلة الأولى ـ عند ما أخبره قتادة بالحادث وقال : انظروا في شأنكم ـ بأنه يدقّق في طبيعة القضايا والبحث عن وسائل الإثبات ، مما يجعله في موقع المنتظر للنتائج من حيث الشهود ، ولكنه عند ما جاءه الرجل الذي هو من بطنهم ، وشكا له قتادة وعمه ، لم يتثبت من صحة الحديث ولم يتأكد من طبيعة المسألة التي سبق لقتادة أن حدثه عنها ، فوبخ قتادة على كلامه مع هؤلاء ، كما لو كانوا أبرياء ، من دون أن يسأله عن ظروف الحديث وطبيعته ، مما جعل قتادة يتمنى موته وجعل عمه يلجأ إلى الله ليستعين به ، لأنه لم يجد هناك من يثبت له حقه ، حتى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ حسب الرواية.
إن مثل هذا النوع من الروايات يخضع لاجتهادات المفسرين أكثر مما يخضع للروايات الموثقة المباشرة التي تتحدث عن سماع ذلك ، مما يجعلنا نتصور أنهم استنطقوا الآية في مدلولها الحرفي ، ففهموا منها أن الله كان يعاتب نبيّه على دفاعه عن الخائنين وجداله عنهم ، لا سيّما أنه أمره بالاستغفار كما لو كان قد صدر منه ذنب في الانحراف عن خط العدالة والتعاطف مع المنحرفين ، ولكنهم لم ينفتحوا على الأسلوب القرآني الذي يخاطب الأمة من خلال مخاطبته للنبي محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم تماما كما لو كان هو الذي تتمثل في سلوكه المفردات.
إن القضية هي أن الرواة ، أو المفسرين ، لم يدرسوا شخصية النبي الأخلاقية وعدالته الرسالية التي لا يمكن أن تنجذب إلى أي شخص وضد أي شخص من خلال عاطفة ذاتية متصلة بالنوازع النفسية الخاصة وهو صاحب الخلق العظيم ، ورسول العدل والإحسان ، فكيف يبتعد عن خط العدل وروحية الإحسان!
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
