إصلاح حال المهاجرين منهم ، لأنهم يعيشون في الأجواء الإسلامية الروحية والفكرية التي قد تنمّي لهم روحيتهم وأفكارهم على أساس الإسلام ، وربما كان لوجودهم في نطاق السيطرة الإسلامية بعض الأثر في الوصول إلى هذا الهدف الإسلامي في هدايتهم إلى الحق ؛ أما المنافقون الباقون في مكة ، فليست هناك أية فرصة معقولة لخروجهم من ضلالهم وكفرهم ، فلا مجال لإعطائهم حكم الإسلام من قريب أو من بعيد.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ...) لأن هذا هو حكم الإسلام في المشركين في حالة الحرب (وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) ، لأنهم ليسوا من الإسلام والمسلمين في شيء ، بل هم أعداؤه وأعداؤهم في كل المجالات ؛ ولكنه استثنى فريقا منهم (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ) فإنه يجري عليهم حكم المعاهدين ، لأن المعاهدة تفرض عدم الاعتداء عليهم وعلى من يجيرونه من الناس (أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ...) هؤلاء الذين يعيشون في أنفسهم الضيق النفسي والحرج العملي في قتال المسلمين مع قومهم ، أو في قتال قومهم مع المسلمين ، فيحبون أن يكونوا حياديين. وقد أراد الإسلام من المسلمين انتهاز الفرصة ، فيشجعون هذا النوع من الحياة في المعركة في الفئات المحسوبة على معسكر الأعداء ، لأن ذلك سوف يفقد الأعداء قوّة مقاتلة ، وذلك لطف من الله بالمسلمين (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) ونفّذوا ذلك بأمانة وصدق ، (فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) لأن الله لا يريد في هذه المراحل أن يندفع المسلمون إلى قتال الذين يقفون على الحياة في المعركة ، حتى لو كانوا كافرين.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
