النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، في الوقت الذي كانت الهجرة فريضة لازمة عليهم ؛ فقد اختلف المسلمون في أمرهم بين فئتين : فئة ترى أن يعاملوا معاملة المشركين في قتالهم ونهب أموالهم ، لأنهم كافرون مثلهم ، فليس لهم ميزة إيمانية تخرجهم عن حكم الكفار ؛ وفئة ترى أن يعاملوا معاملة المسلمين ، كما هو الحال في المنافقين الذين هاجروا ، أو الذين أسلموا في المدينة وعاشوا مع خط النفاق ، فلا يجوز قتلهم واستباحة أموالهم. ولم يدل النبي برأي في هذا الخلاف ، وترك إعطاء الرأي فيه بانتظار الوحي ، وجاءت هذه الآيات لتحسم الخلاف وتحدد ملامح الموضوع بوضوح ، من خلال ما وجهته للمؤمنين من الخطاب ، (فَما لَكُمْ) أي شيء لكم أيها المؤمنون ، لتختلفوا (فِي) أمر (الْمُنافِقِينَ) وتنقسموا (فِئَتَيْنِ) انطلاقا من المشاعر والأفكار الذاتية التي لا ترتكز على دراسة الموضوع من جميع جوانبه ، ممّا يبعدكم عن الرؤية الواضحة ويدخلكم في أبواب النزاع والخلاف (وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ) ، والإركاس الانتكاس ، وهو تحوّل الشيء من حال إلى حال أردأ منه ، وقد يكون المراد من هذه الحالة ، إلحاقهم بحكم الكافرين بعد أن كانوا بحكم المسلمين في التعامل معهم ، وذلك لما يترتّب على وجودهم من الضرر بالمستوى الذي قد يزيد على ضرر الكفار على المسلمين ، لنفاقهم وتمردهم على الأمر بالهجرة (بِما كَسَبُوا) ، فإن الله لا يؤاخذ الناس في الدنيا والآخرة ، إلا بسبب انحرافهم وتمرّدهم وممارستهم للأعمال الشريرة ، فينبغي للمؤمنين أن ينطلقوا في إعطاء الرأي من هذا الموقع الذي يمثل القاعدة الإسلامية للحكم على الأشخاص ، في ما أعطاه الله من الميزان الذي يزن الأشخاص بمستوى العمل ، ويحاسبهم على هذا الأساس.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
