حياته ، لأن سبب النزول يمثل المنطلق للفكرة لا المدى المحدود الضيق فيها.
* * *
لا تزكوا أنفسكم ، (بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ)
ربما كانت هاتان الآيتان امتدادا للحديث الذي بدأه القرآن في هذا الفصل عن اليهود ؛ فقد ذكر في آيات أخرى ، أنهم يدّعون أنهم أبناء الله وأحبّاؤه ، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة ، وأنهم أولياء الله من دون الناس ، إلى غير ذلك من الكلمات التي كانوا يزكون فيها أنفسهم ، فيعتبرونها في موقع السموّ والرفعة ، ليوحوا لأنفسهم بعقدة الاستعلاء ويعمقوها في وعي أجيالهم المقبلة من أبنائهم وأحفادهم ، وليثيروا هذا التصور في أعماق الشعوب الأخرى ، لتستكين لهم ولتخضع لطموحاتهم وأطماعهم. وجاءت الآية الأولى لتوجه الإنسان إلى التطلّع نحوهم لمراقبتهم في كلماتهم وأوضاعهم ومواقفهم وطريقتهم في ممارسة العلاقات مع الآخرين ، ليفحص هذا الزيف الذي يحاولون أن يصوّروه الحقيقة ؛ فهم لا يعيشون الملامح الحقيقية للصفات التي ينسبونها لأنفسهم ، بل هم بشر كبقية البشر الآخرين ، بل قد يكون لغيرهم من الصفات الطيبة ما ليس لهم ، ممن عاشوا الحياة من موقع الصفاء والطهر والبساطة ، ولم يعيشوها من موقع الخبث والتعقيد.
وقد دعت الآية كل إنسان إلى أن يرى بعينيه الحقيقة ـ (أَلَمْ تَرَ) ـ أتترك لكل فرد مجال الحكم من خلال التأمّل والدراسة ، ليحصل على المعلومات الحية في ما يراه ويتأمّله ويقتنع به وقد نلمح في جو الآية بعض الإيحاء بالأسلوب الذي يدعو الناس إلى رفض هؤلاء الناس ومحاولة اكتشاف الزيف الذي تغطيه ظواهر حالهم.
وإذا كانت النقطة التي انطلقت منها الآية تتركز على النموذج اليهودي
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
