وجاءت التوبة الإلهية لتقول للإنسان ، بأن الخطأ حالة طبيعية في حياته ، انطلاقا من نوازع الضعف الكامنة في داخل نفسه ، التي قد يستسلم لها تارة ، وقد يتمرّد عليها أخرى ؛ فكان لا بد له من أن يسقط أمام حالات الضعف ... ولكن ليس معنى ذلك أنها ضريبة لازمة له ، لا يستطيع الفكاك منها والتحرّر من عبوديتها ، بل هي قضية طبيعية ، تماما كما هي الحالات الطبيعية العارضة للإنسان التي قد يحتاج إلى التعامل معها بفعالية ، ومعالجتها بحكمة وقوّة ، كما يحتاج إلى عدم مواجهتها باللامبالاة والسلبية والاستمرار في أجواء الضياع. وهكذا كانت التوبة من أجل مساعدة الإنسان على مواجهة المعصية والخطأ ، كحالة طارئة لتزول وتذهب وتذوب ، فلا تبقى في حياته كعقدة ، لتتجدد له مشاعر الثقة بإنسانيته وبقدرته على رد التحدي ، وممارسة التغيير ، والبدء من جديد ... فلا يبقى أسير العقدة ، بل يقف أمام الله بكل حرية الإرادة ، وإرادة التغيير ، في ثياب بيضاء ، وقلب مفتوح للحق والخير والأمل الكبير بالمستقبل الأبيض الذي يبدأ من جديد ، تماما كما لو لم يكن هناك أيّ ماض معقّد أسود ، لأن «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» ، فيخرج منه كما ولدته أمه. وإذا تاب الله على الإنسان ، وعاش مشاعر التوبة ، وأحسّ باللطف الإلهي يغمره بالمغفرة والرضوان ... فإنه يعيش الشعور الملائكي الروحيّ في نفسه ، كما لو كان ملاكا يطير بجناحين من طهر ونقاء وفرح روحي كبير غامر ... فيتجدّد ويتحوّل إلى إنسان جديد يبدأ الحياة مع الله ، في انطلاقة عمر جديد.
وفي ضوء ذلك ، لن تكون التوبة ـ كما يخيّل للبعض ـ وسيلة من وسائل تشجيع الإنسان على الامتداد في الخطأ والاستغراق في الجريمة ، لأنه يجد في التوبة طريقة للهروب كلما أراد ذلك ؛ وهكذا حتى تكون حياته كلها جريمة وتراجعا ، الأمر الذي يجعل الشخصية الإنسانية في مستوى الميوعة
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
