وعاين الأهوال القادمة ورأى تهاويل الواقع الجديد ، وعرف أن الفرصة قد انتهت ، وأنه يدخل في عالم جديد يواجه فيه نتائج أعماله ، ويقدّم فيه حساب عمره كله ، (قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) كوسيلة من وسائل التجربة في الخروج من المأزق والتعبير عن الإحباط ، فلم تكن المسألة لديه مسألة وعي وإرادة للتغيير ، لأن الوقت قد ذهب ، بل هي مسألة اضطرار خائف لا عمق له في الاختيار. (وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) فلم يأخذوا من الإيمان بأيّ سبب في كل مجالات حياتهم مع قيام الحجة عليهم في ذلك كله ، (أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) في الدنيا والآخرة جزاء لتمردهم على الله في الخط الفكري والعملي.
وهكذا أراد الله التوبة لعباده رحمة بهم ، وتشجيعا لهم على التراجع عن مواقف الخطأ من موقع الإرادة الواعية المسؤولية ، لينفصلوا بذلك عن الأجواء المنحرفة في كل ما تحتويه من مشاعر وأحاسيس وعلاقات وظروف ونزوات ونزعات ، فيقف الإنسان موقف المتأمل الذي يحسب حساب ذلك كله في جميع نتائجه وآثاره ، بعيدا عن كل الضغوط الحسية والمعنوية ؛ فيفكر كيف يستقبل عواقب ذلك بوعي ومسئولية. وعلى ضوء ذلك ، كان لا بد للتوبة من وعي للموقف ومن إرادة للتغيير ؛ فينطلق الإنسان ليدخل في عملية مقارنة بين المبادئ التي يؤمن بها ، من خلال ما يمثله إيمانه بالله وطاعته له ، من تخطيط للعمل في صعيد الواقع ، وبين الممارسات القلقة المنحرفة التي تحرّكت في واقع حياته العملية. وهنا تبدأ عملية الشعور بالضغط الروحي الذي يثير في داخله الإحساس بالندم ، في حركة المسؤولية في فكره وضميره ، وتتحرك إرادة التحول والتغيير في داخل نفسه. ولعلّ من البديهي أن يكون للإنسان امتداد في حياته العملية في المستقبل ، ليعيش هذا الوعي وهذه الإرادة ، وليتحقق له الصدق الواعي الحرّ. ولهذا جاءت هاتان الآيتان لتجيبا عن السؤال : «لمن التوبة»؟
وكان الجواب ، حديثا عن نموذجين من الناس ، فهناك النموذج الذي
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
