عبارته وتفضل معانيه. وفي ما تقصر المعاني وتفضل العبارات ، وفيه ما يقع كل واحد منهما وفقا للآخر ، ثم ينقسم ما يقع وفقا إلى أنه قد يفيدها على تفصيل. وكل واحد منهما قد ينقسم إلى ما يفيدها على أن يكون كل واحد منهما بديعا شريفا وغريبا لطيفا. وقد يكون كل واحد منهما مستجلبا متكلفا ومصنوعا متعسفا ، وقد يكون كل واحد منهما حسنا رشيقا ، وبهيجا نضيرا ، وقد يتفق أحد الأمرين دون الآخر ، وقد يتفق أن يسلم الكلام والمعنى من غير رشاقة ولا نضارة في واحد منهما.
إنما يميز من يميز ، ويعرف من يعرف ، والحكم في ذلك صعب شديد ، والفضل فيه شأو بعيد. وقد قل من يميز أصناف الكلام ؛ فقد حكي عن طبقة أبي عبيدة ، وخلف الأحمر وغيرهم ، في زمانهم أنهم قالوا : ذهب من يعرف نقد الشعر.
وقد بينا قبل هذا اختلاف القوم في الاختيار ، وما يجب أن يجمعوا عليه ويرجعوا عند التحقيق إليه. وكلام المقتدر نمط ، وكلام المتوسع باب ، وكلام المطبوع له طريق ، وكلام المتكلف له منهاج ، والكلام المصنوع المطبوع له باب. ومتى تقدم الإنسان في هذه الصنعة لم تخف عليه هذه الوجوه ، ولم تشتبه عنده هذه الطرق. فهو يميز قدر كل متكلم بكلامه ، وقدر كل كلام في نفسه ، ويحله محله ، ويعتقد فيه ما هو عليه ، ويحكم فيه بما يستحق من الحكم ، وإن كان المتكلم يجود في شيء دون شيء عرف ذلك منه ، وإن كان يعم إحسانه عرف ، ألا ترى أن منهم من يجود في المدح دون الهجو ، ومنهم من يجود في الهجو وحده ، ومنهم من يجود في المدح والسخف ، ومنهم من يجود في الأوصاف.
والعالم لا يشذ عنه مراتب هؤلاء ، ولا يذهب عليه أقدارهم ، حتى أنه إذا عرف له طريقة شاعر في قصائد معدودة فأنشد غيرها من شعر لم يشك أن ذلك من نسجه ، ولم يرتب في أنه من نظمه. كما أنه إذا عرف خط رجل لم يشتبه عليه خطه ، حيث رآه من بين الخطوط المختلفة ، وحتى يميز بين رسائل كاتب وبين رسائل غيره.
وكذلك أمر الخطب فإن اشتبه البعض ، فهو لاشتباه الطريقين وتماثل الصورتين. كما قد يشتبه شعر أبي تمام بشعر البحتري في القليل الذي يترك أبو تمام فيه التصنع ، ويقصد فيه التسهل ويسلك الطريقة الكتابية ، ويتوجه في تقريب الألفاظ وترك تعويض المعاني ، ويتفق له مثل بهجة أشعار البحتري وألفاظه.
ولا يخفى على أحد يميز هذه الصنعة ، سبك أبي نواس ، ولا نسج ابن الرومي ، من نسج البحتري ، وينبهه ديباجة شعر البحتري ، وكثرة مائه ، وبديع رونقه ، وبهجة كلامه ، إلا فيما يسترسل فيه ، فيشتبه بشعر ابن الرومي ، ويحركه ما لشعر أبي نواس من الحلاوة والرقة
