عِضِينَ) (١).
إلى آيات كثيرة في نحو هذا ، تدل على أنهم كانوا متحيرين في أمرهم ، متعجبين من عجزهم ، يفزعون إلى نحو هذه الأمور من تعليل ، وتعذير ، ومدافعة ، بما وقع التحدي إليه ، وعرف الحث عليه.
وقد علم منهم أنهم ناصبوه الحرب ، وجاهروه ونابذوه وقطعوا الأرحام ، وأخطروا بأنفسهم ، وطالبوه بالآيات ، والإتيان بغير ذلك من المعجزات ، يريدون تعجيزه ليظهروا عليه بوجه من الوجوه.
فكيف يجوز أن يقدروا على معارضته القريبة السهلة عليهم ، وذلك يدحض حجّته ويفسد دلالته ، ويبطل أمره ، فيعدلون عن ذلك إلى سائر ما صاروا إليه من الأمور التي ليس عليها مزيد في المنابذة والمعاداة ، ويتركون الأمر الخفيف؟
هذا مما يمتنع وقوعه في العادات ، ولا يجوز إتقانه من العقلاء. وإلى هذا قد استقصى أهل العلم الكلام ، وأكثروا في هذا المعنى وأحكموه. ويمكن أن يقال : إنهم لو كانوا قادرين على معارضته ، والإتيان بمثل ما أتى به ، لم يجز أن يتفق منهم ترك المعارضة ، وهم على ما هم عليه من الذرابة والسلاقة والمعرفة بوجوه الفصاحة. وهو يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن مباراته ، وإنهم يضعفون عن مجاراته ، ويكرر فيما جاء به ذكر عجزهم عن مثل ما يأتى به ، ويقرعهم ويؤنبهم عليه ، ويدرك آماله فيهم ، وينجح ما يسعى له بتركهم المعارضة.
وهو يذكر فيما يتلوه تعظيم شأنه وتفخيم أمره ، حتى يتلو قوله تعالى : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (٢) وقوله : (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) (٣) وقوله : (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (٤) وقوله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (٥) وقوله : (إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ
__________________
(١) آية (٩١) سورة الحجر.
(٢) آية (٨٨) سورة الإسراء.
(٣) آية (٢) سورة النحل.
(٤) آية (٨٧) سورة الحجر.
(٥) آية (٩) سورة الحجر.
