علم أن بعض هذه الأحوال مما يدعو إلى سلب النفوس دونه.
هذا والحميّة حميتهم ، والهمم الكبيرة هممهم. وقد بذلوا له السيف وأخطروا بنفوسهم وأموالهم. فكيف يجوز أن لا يتوصلوا إلى الرد عليه ، وإلى تكذيبه بأهون سعيهم ، ومألوف أمرهم. وما يمكن تناوله من غير أن يعرق فيه جبين ، أو يشتغل به خاطر ، وهو لسانهم الذي يتخاطبون به ، مع بلوغهم في الفصاحة النهاية التي ليس وراءها مطلع والرتبة التي ليس وراءها منزع ، ومعلوم أنهم لو عارضوه بما تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره ، وتكذيب قوله ، وتفريق جمعه ، وتشتيت أسبابه. وكان من صدق به يرجع على أعقابه ، ويعود في مذهب أصحابه ، فلما لم يفعلوا شيئا من ذلك مع طول المدة ، ووقوع الفسحة ، وكان أمره يتزايد حالا فحالا ، ويعلو شيئا فشيئا ، وهم على العجز عن القدح في آيته ، والطعن في دلالته ، علم مما بينا أنهم كانوا لا يقدرون على معارضته ، ولا على توهين حجته.
وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قوم خصمون ، وقال : (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا) (١) وقال : (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) (٢) وعلم أيضا أن ما كانوا يقولونه من وجوه اعتراضهم على القرآن مما حكى الله عزوجل عنهم من قولهم : (لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (٣) وقولهم : (ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً ، وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) (٤) وقالوا : (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (٥) وقالوا : (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) (٦) وقالوا : (أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) (٧) وقال الذين كفروا : (إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ) (٨) (فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً. وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) (٩) وقوله سبحانه : (وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً) (١٠) وقوله : (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ
__________________
(١) آية (٩٧) سورة مريم.
(٢) آية (٤) سورة النحل.
(٣) آية (٣١) سورة الأنفال.
(٤) آية (٣٦) سورة القصص.
(٥) آية (٦) سورة الحجر.
(٦) آية (٣) سورة الأنبياء.
(٧) آية (٣٦) سورة الصافات.
(٨) آية (٤) سورة الفرقان.
(٩) آية (٥) سورة الفرقان.
(١٠) آية (٨) سورة الفرقان.
