كشكره ، ولا يتخذوا من دون الله وكيلا ، وأن يعتقدوا تعظيم تخليصه إياهم من الطوفان لمّا حملهم عليه ، ونجاهم فيه ، حين أهلك من عداهم به. وقد عرفهم أنه إنما مؤاخذهم بذنوبهم وفسادهم فيما سلط عليهم من قبلهم وعاقبهم.
ثم عاد عليهم بالإفضال والإحسان حتى يتذكروا ويعرفوا قدر نعمة الله عليهم ، وعلى نوح الذي ولدهم ، وهم من ذريته. فلما عادوا إلى جهالتهم وتمردوا في طغيانهم ، عاد عليهم بالتعذيب. ثم ذكر الله عزوجل في ثلاث آيات بعد ذلك معنى هذه القصة ، التي كانت لهم بكلمات قليلة في العدد ، كثيرة الفوائد ، لا يمكن شرحها إلا بالتفصيل الكثير والكلام الطويل.
ثم لم يخل تضاعف الكلام مما ترى من الموعظة على أعجب تدرج ، وأبدع تاريخ بقوله (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) (١) ولم ينقطع بذلك الكلام. وأنت ترى الكلام يتبدد مع اتصاله ، وينتشر مع انتظامه. فكيف بإلقاء ما ليس منه في أثنائه ، وطرح ما بعده في أدراجه إلى أن خرج إلى قوله : (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا) (٢) يعني إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى العفو ، ثم خرج خروجا آخر إلى ذكر القرآن. وعلى هذا فقس بحثك عن شرف الكلام ، وما له من علو الشأن ، لا يطلب مطلبا إلا انفتح ، ولا يسلك قلبا إلا انشرح ، ولا يذهب مذهبا إلا استنار وأضاء ، ولا يضرب مضربا إلا بلغ فيه السماء. لا تقع منه على فائدة ، فقدّرت أنها أقصى فوائدها إلا قصّرت. ولا تظفر بحكمة فظننت أنها زبدة حكمها إلا وقد أخللت.
إن الذي عارض القرآن بشعر امرئ القيس (٣) لأضل من حمار أهله ، وأحمق من هبنّقة ، لو كان شعره كله كالأبيات المختارة التي قدمناها ، لأوجب البراءة من قوله :
|
وسنّ كسنّيق سناء وسنّم |
|
ذعرت بمدلاج الهجير نهوض |
قال الأصمعي (٤) : لا أدري ما السنّ ، ولا السنيق ، ولا التسنم؟! وقال بعضهم : السنق أكمة ، وقال فيها له قصريا عنز ، وساقا نعامة كفحل الهجان القيصري العضوض وقوله :
|
عصافير وذبان ودود |
|
وأجرأ من مجلّحة الذّئاب |
__________________
(١) آية (٧) سورة الإسراء.
(٢) آية (٨) سورة الإسراء.
(٣) سبقت ترجمته.
(٤) سبقت ترجمته.
