يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) (١) إلى أن ذكر ثلاث آيات ، وهذا كلام مفصول ، تعلم عجيب اتصاله بما سبق ومضى ، وانتسابه إلى ما تقدم وتقضى ، وعظم موضعه في معناه ، ورفيع ما يتضمن من تحميدهم وتسبيحهم. وحكاية كيفية دعاء الملائكة بقوله : (رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً) (٢).
هل تعرف شرف هذه الكلمة لفظا ومعنى؟ ولطيف هذه الحكاية ، وتلاؤم هذا الكلام ، وتشاكل هذا النظام. وكيف يهتدي إلى وضع هذه المعاني بشري؟ وإلى تركيب ما يلائمها من الألفاظ إنسي ، ثم ذكر ثلاث آيات في أمر الكافرين على ما ترى ، ثم نبه على أمر القرآن وأنه من آياته بقوله : (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) (٣).
وإنما ذكر هذين الأمرين اللذين يختص بالقدرة عليهما ، لتناسبهما في أنهما من تنزيله من السماء ، ولأن الرزّاق الذي لو لم يرزق لم يكن بقاء النفس ، تجب طاعته ، والنظر في آياته.
ثم قال : (فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ. رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ. يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) (٤) ، قف على هذه الدلالة وفكر فيها ، وراجع نفسك في مراعاة معاني هذه الصفات العالية والكلمات السامية ، والحكم البالغة ، والمعاني الشريفة ، تعلم ورودها عن الإلهية ، ودلالتها على الربوبية ، وتتحقق أن الخطب المنقولة عنهم ، والأخبار المأثورة في كلماتهم الفصيحة ، من الكلام الذي تعلق به الهمم البشرية ، وما تحوم عليه الأفكار الآدمية ، وتعرف مباينتها لهذا الضرب من القول.
أي خاطر يتشوف إلى أن يقول : (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ. يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ) (٥) وأي لفظ يدرك هذا المضمار ، وأي حكيم يهتدي إلى ما لهذا من الغور ، وأي فصيح يهتدي إلى هذا النظم؟ ثم استقرئ الآية إلى آخرها ، واعتبر كلماتها ، وراع بعدها قوله : (الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ
__________________
(١) آية (٧) سورة غافر.
(٢) نفس الآية.
(٣) آية (١٣) سورة غافر.
(٤) آية (١٤ : ١٦) سورة غافر.
(٥) سبقت.
