ومن جهة أخرى ، فإن الحديث عن قصة زكريا في سورة مريم يوحي بأن القضية التي كانت تشغل ذهن زكريا هي الامتداد الذاتي في ولده ، وهذا حقّ طبيعيّ له ، والامتداد الرسالي في تراث آل يعقوب في الولد ، النبي الذي يملك الولاية الشرعية ، وهذا هو قوله تعالى : (قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا* وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) [مريم : ٤ ـ ٦]. فإنه ظاهر في أن الدعاء كان يستنزل الغيب في أن يرزقه الله ولدا لا في خصوصياته.
وبكلمة واحدة ، لقد كانت مريم ـ وحدها ـ في وجدانه ، عند ما دعا ربه ، وكانت الحاجة ـ انطلاقا من إحساسه بالفراغ عند رؤيته لمريم ـ لولد يرثه ويرث من آل يعقوب ، ليكون وليّا يلي من أبيه ما يليه الأبناء من شؤون آبائهم ، وهذا ما يجعل البحث التفسيري في استيحاء الآية في غير محله بالرغم من طرافته.
الأمر الثاني : لقد تحدثت الآية عن يحيى أنه «حصور» كميزة أخلاقية ليحيي ، كما تحدثت آية أخرى بالصفة نفسها في الحديث عن عيسى عليهالسلام ، وقد فسرت الكلمة بأن الحصور «هو الذي لا يأتي النساء مع القدرة على إتيانهن تعففا وزهدا. فهل الامتناع عن العلاقة الجنسية مع النساء في دائرة الزواج ، يمثل قيمة أخلاقية كبري أو لا؟
الظاهر أن الكلمة لا تختزن في ذاتها معنى الامتناع عن الزواج ، فهو سنة الله في الحياة التي أقام عليها امتداد الإنسان في حركة وجوده كما جعله عنوانا للحياة الطبيعية في حاجاتها المتوازنة التي تطمئن إليها نفسه وتسكن فيها روحه ، ولكن المقصود منها ، هو القوّة الروحية التي تنطلق من صلابة الإرادة التي تتمرد على الشهوات ، فتبلغ درجة المناعة الأخلاقية التي يملك
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
