قد اقتنع بذلك ورجع إلى ما يوحيه إيمانه من التسليم لله في كل شيء ، ولكنه يريد آية.
واختلف المفسرون في معنى هذه الآية ، فقال بعضهم إنها العلامة التي يعرف من خلالها أن ما سمعه هو من وحي الله ، وذلك بأن يجعل الله له ما يشبه المعجزة ، وأوحى الله إليه بأن الآية هي أن يعتقل لسانه ، فلا يستطيع أن يتكلم ، ولا يملك أن يخاطب الناس إلا رمزا مدة ثلاثة أيام ، وقال بعضهم : إنها علامة الشكر على هذه النعمة غير المترقبة ، فأوحى الله إليه كما أوحى إلى مريم بصوم الصمت الذي كان مشروعا آنذاك ، ولعلّ هذا هو الأقرب ، لأنه لا معنى للارتياب بعد أن جاءه الجواب بالتذكير بقدرة الله ، ولأن الظاهر أن الوحي كان بالامتناع الاختياري عن الكلام مع الناس وبذكر الله كثيرا وبالتسبيح الدائم بالعشي والإبكار.
(قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) ولكن هذا الذي ذكرناه ، مما فهمناه من الآية على وجه الترجيح ، لا يلتقي بما رواه العياشي في تفسيره عن الإمام جعفر الصادق عليهالسلام قال : «إن زكريّا لما دعا ربّه أن يهب له ولدا فنادته الملائكة بما نادته به ، أحبّ أن يعلم أن ذلك الصوت من الله ، فأوحى إليه أن آية ذلك أن يمسك لسانه عن الكلام ثلاثة أيام ، فلما أمسك ولم يتكلم علم أنه لا يقدر على ذلك إلا الله» (١). فإذا صح هذا الحديث ، فإن الآية تقتضي اعتقال لسانه إلّا عن ذكر الله والتسبيح ، مما يكون وجه جمع معقول بين الأمرين ، والله العالم بحقائق آياته.
* * *
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ٣ ، ص : ٢١٣.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
