البيت ، والفرصة سانحة أمام الحاجة الملحّة التي كان يعانيها زكريا ، ويريد أن يدعو الله فيها ، ولكنه ـ في ما يبدو ـ لا يجد الأمل الكبير باستجابة الدعاء ، وهي الذريّة الطيّبة. (هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ) وهو يشعر أن الإجابة قريبة منه لتحقق له حلمه الكبير الذي يكفل له الامتداد الذاتي والرسالي في خط الحياة الطويل ، فإن الولد يمثل امتداد الظل لأبيه. وكان يفكر ـ كما فكرت امرأة عمران ـ بالذرية الطيبة التي تملأ الحياة خيرا وبركة وهدى ونورا ومحبة وسلاما ولم يفكر كما يفكر كثير من الناس بالذريّة التي تمثل حاجة ذاتية تملأ فراغ الإنسان العاطفي وتحقق له زهو الامتداد والكثرة من دون هدف كبير على مستوى الحياة. (قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ) ... واستجاب الله له دعاءه كأفضل ما تكون الاستجابة ، وأراد أن يبشّره بذلك في جوّ من الإعزاز والتكريم ، فأرسل إليه الملائكة لتزفّ إليه البشارة بالوليد المنتظر الذي أراد الله له أن يكون في المستوى العظيم في الطهارة والنقاوة الرساليّة والروحيّة المتحركة في خط النبوة ...
(فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) إنّ البشارة تتحدث عن الحلم المنتظر كما تتحدث عن الواقع الحيّ. إنها تعيّن له اسمه وصفته المميزة ، التي جعلها الله «سمة» للأنبياء ، فقد جاء مصدّقا لما أنزل الله من رسالات ، ولما أرسل من رسل ، وتلك صفة لا يوصف بها إلّا الذين يريد الله لهم أن يكملوا الطريق التي بدأها الآخرون من قبله ، من الأنبياء الذين شقّوا للناس طريق الحق المستقيم ...
وسيّدا لنفسه كما هو شأن عباد الله الذين يحكمون أنفسهم من خلال إيمانهم ويسيطرون على شهواتهم من خلال عقولهم ويسودون الناس في نطاق مبادئهم الحقّة ، ولا يخضعون لأية سلطة غير سلطة الله في ما يريد وفي ما لا يريد ، فهم أحرار أمام أنفسهم وأمام الآخرين ، يملكون كلمة الرفض
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
