(الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ* الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ) إنها صفات المؤمنين المتقين في تطلعاتهم لما عند الله ، وفي خصائصهم الذاتية المنطلقة في خط الإيمان بالله ... فهم يعيشون الحياة من خلال الشعور بإيمانهم كحقيقة تحتوي كيانهم ، وتستوعب كل نشاطهم ، وتدفعهم إلى تحمّل المسؤولية بوعي كامل لنتائجها العاجلة والآجلة ، ومحاسبة دقيقة لكل خطواتها العملية المستقيمة والمنحرفة ... وهذا ما يتمثل في هذا الدعاء الخاشع (رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا) بك ، فهو القاعدة الفكرية والشعورية التي ننطلق منها من موقع القوّة ، فليكن هذا الإيمان شفيعنا عندك في ما أخطأنا فيه ، فإننا لم نخطئ جحودا بألوهيتك ولا تمرّدا على عبوديتنا لك ، ولكنها تسويلات النفس الأمّارة بالسوء التي خلقتها من ضعف وأعطيتنا القوة لنستعين بها على مقاومة الضعف ، ولكنّك تعلم أننا قد نضعف أمام أنفسنا ، فلا تؤاخذنا (فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ) لنقف بين يديك طاهرين من الدنس ، مطهرين من الذنوب ، ننتظر رضاك في دخول جنتك ...
وبعد ذلك ، فإنهم الصابرون الذين يواجهون تحديات الحياة في شهواتها ومتاعبها بصبر لا يضعف ولا ينهار ، بل يحافظ على تماسك الشخصية في خط الإيمان الصامد ، فيتحمّلون ـ من خلال ذلك ـ كل الضغوط ، مهما بلغت من القوة والقسوة والصعوبة. وهم الصادقون مع أنفسهم ومع ربهم ومع الناس ، فقد آمنوا بالحق ، ولا مجال معه للكذب ، لأن الكذب والخداع والتدليس والغش من الباطل ، ولا يجتمع الباطل والحق في قلب إنسان واحد. وهم القانتون العابدون لله المطيعون لأمره في كل شيء ، وهم المنفقون الذين يعيشون روح العطاء في ما رزقهم الله من مال وعلم وجاه وخبرة ، فلا يرون ذلك امتيازا يستعلون به على الناس ، بل يعتبرونه أمانة ومسئولية يؤدونها إلى الناس ، ورسالة يعيشون الحياة جهادا
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
