يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا) [النساء : ١٣٥] ، فقد جعل المسألة منطلقة من طبيعة القضية بعيدا عن أيّ شيء آخر في صفة الناس الذين يرتبطون بها ، فلا يشهد الإنسان لمصلحة الفقير بالباطل ، ضد الغني الذي يملك الحق ، لأن مثل هذه الحالة العاطفية الإنسانية لا تحل مشكلة الفقير ، بل تعقد المشكلة العامة التي قد تطال الفقير في نهاية الأمر ، أما مسألة الغنى والفقر ، فإنها خاضعة للتدبير الإلهي في إدارة شؤون الإنسان في الحياة.
أمّا الخاصة الثالثة من الربا القرآني ، وهي أن الربا مجرد تنمية لمال الدائن في أموال المدينين واستغلال لحاجاتهم من غير تجارة ينتفع بها الطرفان ، فإن ذلك قد لا يمثل مشكلة في ذاته إلّا من خلال ما يعبّر عنه من حالة نفسية خانقة منغلقة ، تتصل بالواقع الإنساني في أبعاده العامة ، وقد يطرح الربويون في مقابل ذلك أن المدين قد ينتفع بالمال الذي يأخذه دينا للاتجار به ، باعتبار أنه يحل له مشكلة عدم وجود رأس مال للعمل والإنتاج لديه ، وإذا كان الباحث يستند إلى الآية الكريمة : (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ) باعتبار أن الله يرفض للإنسان أن ينمي ماله في أموال الناس ، فإننا نردّ عليه بأن الظاهر من الآية أن الله يريد أن يبين له أنه إذا كان يستهدف الحصول على الزيادة من خلال الربا ، فإنه لن يحقق لنفسه إلا زيادة مادية لا تجديه شيئا عند الله الذي هو الأساس الذي ينبغي للإنسان أن يرتكز عليه ويقصده في كل أعماله ، لأن (ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ) فلا بد له من أن يطلب الزيادة بالإقبال على دفع الزكاة التي يضاعفها له الله ، وهكذا نرى أنها ليست واردة في مقام رفض الزيادة في أموال الناس لأنها تتحقق بالتجارة ، حتى لو كان الفرق بينها وبين الربا ، انتفاع الطرفين في التجارة واقتصار الانتفاع في الربا على الدائن ـ كما قيل ـ إلا أن ذلك ليس بفارق من حيث اشتراكهما في تنمية المال في أموال الناس.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
