ويخلص الباحث ـ من خلال ذلك كله ـ إلى أن المصارف في حالتها الحاضرة ووفقا لقوانينها العالمية ، إنما هي حاجة من حاجات العباد ، ولا تتمّ مصالح معاشهم إلا بها ، فلم يكن من الجائز التسرع والحكم عليها بأنها من الربا المقطوع فيه ، وذلك لأن حظرها يوقع العباد في حرج في معاشهم لا مثيل له ، بل يهدد كيان الدولة والأمة ، ويقضي نهائيا على مصالحهم الاقتصادية المشروعة ، وأن الحرج ـ كما عرفت ـ ممنوع بنص القرآن الكريم (١).
* * *
مناقشة النظرية
ونلاحظ على هذه الدراسة أنها انطلقت مما نقله صاحبها عن الإمام أحمد ، وهو أن القرآن الكريم كلما ذكر الربا بسوء ، أوصى الدائن بالصدقة على مدينه. ولهذا استفاد من الآيات أن المدين محتاج للصدقة عملا بظروف الدين ، ولذلك فهو مظلوم ، كما هي الخاصة الأولى في الربا القرآني ، ولكن المسألة المطروحة في الآيات هي الحديث عن الربا باعتباره مظهرا من مظاهر الحالة النفسية المعقدة التي تختزن في داخل الذات الإحساس بالذاتية في الحصول على المال بأية طريقة ، فلا تنفتح على الآخرين ، وهذا ما يوحي به قوله تعالى : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ) ، فهو الإنسان المصروع الذي يعيش الاهتزاز النفسي أمام نوازع الذات التي هي عالمه المنغلق على الآخرين ، إلا في نطاق حاجاتها
__________________
(١) فتوى د. معروف الدواليبي في موضوع الربا والمصارف (حول موقف الشريعة من المصارف) والأحكام والقواعد العامة الشرعيّة.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
