يتماسك الإنسان أمامه؟
(وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ). ويعود الأسلوب الرحيم الذي يثير أمام الإنسان خط التراجع في الحلّ المتوازن ، فهناك المجال الواسع للتوبة التي لا يريد الله فيها للإنسان أن يخسر ماله ويفقده جزاء على ما فعله من المعصية ، بل يريد له أن لا يظلم الناس ، وإذا كانت القضية قد انطلقت من قاعدة رفض الظلم ضد المدين ، فلا يمكن لله أن يقبل وقوع الظلم على الدائن من قبل المدين بأن يسلطه على رأس المال الذي دفعه إليه.
وقد جاء في الدر المنثور : أخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عمرو بن الأحوص ، أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع ، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون(١).
(وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ). أمّا إذا كان المدين معسرا لا يستطيع أن يرجع رأس المال إلى صاحبه في الوقت الحاضر ، فإن الله يريد من الإنسان المؤمن أن ينتظره حتى يتمكن من ذلك ويجعل له الله من أمره يسرا ، لأن ذلك هو خط العدل والرحمة في معناهما الإنساني الواقعي ، فإذا كان العدل يفرض على المدين أن يدفع ما في ذمته إلى دائنه فلا يأكله بالباطل ، فإنه يفرض على الدائن أن يراعي ظروف المدين في حالة العسر ، فلا يضطره إلى أن يبيع ما يحتاجه من ضرورات الحياة الطبيعية أو يرهق نفسه بدين جديد يضطر إلى الخضوع فيه لشروط صعبة في ماله وكرامته وحياته ، لأن حركة العدل في الحقوق والعلاقات تبقى في نطاق القدرة العادية للإنسان ، فلا تتجاوزها إلى ما يخرج عن القدرة ، فإن في ذلك الحرج كل
__________________
(١) الدر المنثور ، ج : ٢ ، ص ١٠٩.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
