أعين الناس ومحاولة الإضلال بالأساليب التي تساهم في تحقيق الضلال ، بإرادة الإنسان واختياره ، أمّا السيطرة عليه بالمستوى الذي لا يستطيع معه الوقوف أمامه ، ولا يملك إلا الرضوخ لسلطانه ، فهذا ما نفاه القرآن في أكثر من آية (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ) [الحجر : ٤٢].
فإننا نجد في الآية نفيا مطلقا لسلطان الشيطان على الإنسان إلا من خلال الوسائل العادية التي لا تلغي عنصر الاختيار الذي تتحرك في داخله المسؤولية ... فإذا لم يكن للشيطان سلطان تكويني على نقل الإنسان من قناعة إلى قناعة مضادّة في موضوع الكفر والإيمان والخير والشرّ ، فكيف يكون له سلطان على إلغاء عقل الإنسان بالكلية من خلال وسائل غير منظورة لا يملك الإنسان أمامها القدرة على المقاومة. إن القضية ليست قضية عدالة الموضوع وعدم عدالته ، بل هي قضية دور الشيطان في حياة الإنسان من خلال حكمة وجوده في الأرض ، مما يوحي لنا بأنه لا يملك أيّ دور آخر تجاه الإنسان.
وهناك نقطة أخرى لا بد لنا من إثارتها في هذا المجال ، وهي أن ذلك قد يتنافى مع الجوّ الذي أراد الله أن يثيره في صراع الإنسان مع الشيطان ، وهو الإيحاء بكرامة الإنسان من خلال أمره للشيطان بالسجود لآدم ، وجعله خليفة الله في الأرض ، مما يوجب أن لا يجعله تحت رحمته في أقدس شيء وهبه الله له وميزه به على مخلوقاته الأخرى وهو العقل ، لأن ذلك يجعله ألعوبة في يده يعبث به كيف يشاء من خلال الوسائل الخفية التي يملكها ضد الإنسان ... أمّا تسليطه على إضلاله بالوسوسة وأمثالها ، فإنها تؤكد جانب الكرامة فيه ولا تنفيها ، وذلك من خلال ثقة الله بالإنسان ، بما زوّده به من العقل وأرسله إليه من رسل ، وفي ما أنزله عليه من كتب ورسالات ، بأنه يستطيع الانتصار على الشيطان باستعمال هذه الوسائل ، ليبلغ بذلك الدرجات التي تعلو درجات الملائكة في ما وردت به الأحاديث الشريفة ... إن الله
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
