وَعَذَابٍ) ، وإذ قال : (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [الأنبياء : ٨٣] ، والضرّ هو المرض ، وله أسباب طبيعيّة ظاهرة في البدن ، فنسب ما به من المرض المستند إلى أسبابه الطبيعية إلى الشيطان. ثم يختم ملاحظته بأن أسلوب القرآن في إسناد الأعمال أو الظواهر إلى الله أو إلى الروح أو الملك أو الشيطان لا يعني الإسناد المباشر الذي يلغي الأسباب الطبيعية ، بل ما يتناسب مع ذلك مما يجعل الفاعل في طول السبب لا في عرضه (١).
ونحن نوافق صاحب الميزان على ملاحظته بأن القضية لا علاقة لها بموضوع عدالة الله ، غير أن ذلك لا يعني تأكيدنا للفكرة التي يعتقدها العامة من خلال الآية ، فإن القضية متعلقة بالفهم الصحيح لمعنى الآية في ما تذكره من كلمة «الشيطان». فما هو المراد منها ، هل هو المعنى الحقيقي الذي تحدث عنه القرآن في أكثر من مرة الذي يعبّر عن الكائن الخفيّ الذي أبقاه الله في الدنيا ومنحه الخلود فيها من أجل أن يثير في الإنسان خواطر الشرّ ودوافع العصيان ، وهو الذي يعطيه القرآن اسم إبليس في أكثر من مورد؟ أو هو المعنى المجازي الذي يراد منه العوامل الخفيّة المتنوعة التي تسبب الجنون وغيره من الأمراض ، وتكون العلاقة بين المعنيين عبارة عن أن كلّا منهما يمثل عنصرا خفيّا يؤثر في الفكر والشعور تارة ، وفي البدن والعقل تارة أخرى؟ وإذا كان المراد هو المعنى المجازي ، فما هي القرينة أو الدليل على صرف اللفظ عن معناه الحقيقي؟
إننا نستقرب ورود اللفظ على أساس المجاز لا على أساس الحقيقة ، وذلك من خلال دراستنا لشخصية الشيطان في القرآن وعلاقته بالإنسان في ما أعطاه الله من دور فاعل في حياته ، فإننا نلاحظ محاولة القرآن للتأكيد على أن دور الشيطان الأول والأخير هو إثارة وساوس الشر من خلال تزيينه في
__________________
(١) انظر : تفسير الميزان ، ج : ٢ ، ص : ٤١٦ ـ ٤١٧.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
