نستفيد منها أن هناك حالة من الصرع أو الجنون تعرض للإنسان من خلال مسّ الشيطان له ، كما تعتقد العامة في أمثال هذه الحالات أنها من عمل الجنّ. فهل يريد القرآن أن يؤكد هذه الفكرة ويعتبرها كحقيقة دينية حاسمة في تقريره لبعض حقائق الظواهر الإنسانية في الحياة ، أو أن التشبيه وارد في سياق التعبير المعروف لدى الناس في ما يعتقدونه من أسباب الصرع ، فكأنّ القرآن قصد الفكرة التي أريدت من الكلمات ، لا المدلول الحرفي نفسه لها ، تماما كما هو المعنى الذي يراد الكناية عنه بلازمه في أساليب الكناية في اللغة العربية ، أو أنّ هناك وجها ثالثا للقضية غير هذين الوجهين؟
ربما يجد بعض المفسرين المعنى الثاني أقرب إلى عدل الله ، فإنه ـ سبحانه ـ أعدل من أن يسلّط الشيطان على عقل عبده أو على عبده المؤمن ، ولكن صاحب الميزان يردّ هذا الرأي ، بأن الله تعالى أجلّ من أن يستند في كلامه إلى الباطل ولغو القول ، بأيّ نحو كان من الاستناد ، إلا مع بيان بطلانه ورده على قائله ، وبأن تسليط الشيطان على عقل الإنسان إذا كان منافيا للعدل ، فإن تسليط الأسباب الطبيعية عليه في ما كان منها مذهبا للعقل كذلك ، لأنهما سيان في استنادهما إلى الله بالنهاية ، مع خروجهما عن إرادة الإنسان واختياره ... وبأن مبدأ إذهاب العقل لا يتنافى مع العدل ، فإنه رافع للتكليف من الأساس ، فلا مشكلة أمام الإنسان من هذه الجهة. ثم يضيف صاحب الميزان إلى ذلك قوله : على أنّ استناد الجنون إلى الشيطان ليس على نحو الاستقامة ومن غير واسطة ، بل الأسباب الطبيعية كاختلال الأعصاب والآفة الدماغية أسباب قريبة وراءها الشيطان ، كما أن أنواع الكرامات تستند إلى الملك مع تخلل الأسباب الطبيعية في البين ، وقد ورد نظير ذلك في ما حكاه الله عن أيوب عليهالسلام إذ قال : (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
