في ذهنه مما يؤدي به إلى أن يرى الحسن قبيحا والقبيح حسنا ، ويتحول ذلك إلى التخبط في مجاله العملي؟
لعل هذا هو الأقرب ـ والله العالم ـ لمناسبته للفقرة التالية (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا) فقد جرت هذه الفقرة مجرى التعليل لحالتهم في التشبيه ، إذ اختلط الأمر عليهم ، فاستنكروا الموقف السلبي ضد الربا في الوقت الذي يكون الموقف فيه إيجابيا تجاه البيع ، وخيّل إليهم أن البيع مثل الربا ، لاشتمال كل منهما على الربح والزيادة ، ولكن هذا الموقف خاطئ ، فإن البيع يؤدي إلى تسهيل عملية التبادل في المجتمع في ما تختلف فيه خصائص الأشياء ، فيدفع الإنسان إلى غيره ما يستغني عنه في مقابل الحصول على ما يحتاج إليه ، لتعود المنفعة إليهما معا في ما يفترق به كل من العوضين من خصوصيات متنوعة ، وبذلك تتقدم الحياة وتنمو وتزدهر. أما الربا ، فإنه لا يضيف إلى المشتري الذي يأخذ مثل ما يدفع بزيادة أية ميزة تفرض ذلك ، مما يجعل الزيادة أكلا للمال بالباطل من جهة ، وانحرافا عن مصلحة الإنسان الفرد والمجتمع من جهة أخرى ، في ما قدمناه من حديث.
وقد يرى بعض المفسرين ، أن التخبط قد يظهر في اعتبار الأصل فرعا ، لا كما هو كلام المرابين في عكس الموضوع ، وذلك بقياس البيع على الربا ، لأن من المعقول أن يقول الإنسان إن الذي تنهاني عنه كالذي تأمرني به ، وليس من المعقول أن يقول : إن الذي تأمرني به كالذي تنهاني عنه ، لأن معنى القول الأول ، أنه يسلّم أن الذي يؤمر به أصل ذو مزية يجب اتباعه ، لكنه يدعي أن الذي ينهى عنه ذو مزيّة مثله ، ولم يكن معنى كلامه إبطال المزية وإهماله كما يراه الممسوس (١).
ولكن هذا المعنى غير ظاهر من اللفظ في تحديد حالة الخبط ، بل
__________________
(١) انظر : م. س. ، ج : ٢ ، ص : ٤١٩.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
