(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ)(١٩)
____________________________________
الله صلىاللهعليهوسلم ولم ينظروا إلى آيات التوحيد المنصوبة فى الآفاق والأنفس بعين التدبر وأصروا على ذلك بحيث لم يبق لهم احتمال الارعواء عنه صاروا كفاقدى تلك المشاعر بالكلية وهذا عند مفلقى سحرة البيان من باب التمثيل البليغ المؤسس على تناسى التشبيه كما فى قول من قال[ويصعد حتى يظن الجهول بأن له حاجة فى السماء] لما أن المقدر فى النظم فى حكم الملفوظ لا من قبيل الاستعارة التى يطوى فيها ذكر المستعار له بالكلية حتى لو لم يكن هناك قرينة لحمل على المعنى الحقيقى كما فى قول زهير[لدى أسد شاكى السلاح مقذف له لبد أظفاره لم تقلم (فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) الفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها أى هم بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة لا يعودون إلى الهدى الذى تركوه وضيعوه أو عن الضلالة التى أخذوها والآية نتيجة للتمثيل مفيدة لزيادة تهويل وتفظيع فإن قصارى أمر التمثيل بقاؤهم فى ظلمات هائلة من غير تعرض لمشعرى السمع والنطق ولاختلال مشعرا لأبصار وقيل الضمير المقدر وما بعده للموصول باعتبار المعنى كالضمائر المتقدمة فالآية الكريمة تتمة للتمثيل وتكميل له بأن ما صابهم ليس مجرد انطفاء نارهم وبقائهم فى ظلمات كثيفة هائلة مع بقاء حاصة البصر بحالها بل اختلت مشاعرهم جميعا واتصفوا بتلك الصفات على طريقة التشبيه أو الحقيقة فبقوا جامدين فى مكاناتهم لا يرجعون ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وكيف يرجعون إلى ما ابتدأوا منه والعدول إلى الجملة الإسمية للدلالة على استمرار تلك الحالة فيهم وقرىء صما بكما عميا إما على الذم كما فى قوله تعالى (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) والمخصوص بالذم هم المنافقون أو المستوقدون وإما على الحالية من الضمير المنصوب فى تركهم أو المرفوع فى لا يبصرون وإما على المفعولية لتركهم فالضميران للمستوقدين. (أَوْ كَصَيِّبٍ) تمثيل لحالهم أثر تمثيل ليعم البيان منها كل دقيق وجليل ويوفى حقها من التفظيع والتهويل فإن تفننهم فى فنون الكفر والضلال وتنقلهم فيها من حال إلى حال حقيق بأن يضرب فى شأنه الأمثال ويرخى فى حلبته أعنة المقال ويمد لشرحه أطناب الإطناب ويعقد لأجله فصول وأبواب لما أن كل كلام له حظ من البلاغة وقسط من الجزالة والبراعة لابد أن يوفى فيه حق كل من مقامى الإطناب والإيجاز فما ظنك بما فى ذروة الإعجاز من التنزيل الجليل ولقد نعى عليهم فى هذا التمثيل تفاصيل جناياتهم وهو عطف على الأول على حذف المضاف لما سيأتى من الضمائر المستدعية لذلك أى كمثل ذوى صيب وكلمة أو للإبذان بتساوى القصتين فى الاستقلال بوجه التشبيه وبصحة التمثيل بكل واحدة منهما وبهما معا والصيب فيعل من الصوب وهو النزول الذى له وقع وتأثير يطلق على المطر وعلى السحاب قال الشماخ[عفا آيه نسج الجنوب مع الصبا وأسحم دان صادق الوعد صيب]ولعل الأول هو المراد ههنا لاستلزامه الثانى وتنكيره لما أنه أريد به نوع منه شديد هائل كالنار فى التمثيل الأول وأمد به ما فيه من المبالغات من جهة مادته الأولى التى هى الصاد المستعلية والياء المشددة والباء الشديدة ومادته
![تفسير أبي السّعود [ ج ١ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3233_tafseer-abi-alsaud-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
