والحفر ، كما يخاف الحمام من الصقر ، فو الله ، يا أمير المؤمنين! ما كان إلا كجزر جزور ، أو كاغفاءة القائل ، حتى أتينا على آخرهم ، فهاتيك أجسادهم بالعراء مجردة ، وثيابهم بالدماء مزمّلة ، وخدودهم بالتراب معفرة ، تصهرهم الشمس ، وتسفي عليهم الريح ، زوارهم: الرخم والعقبان ، والذئب والضبعان.
فأطرق يزيد ساعة ، ثم رفع رأسه وبكى ، وقال : والله ، يا هذا! لقد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ، أما والله ، لو صار إليّ لعفوت عنه ، ولكن قبح الله ابن مرجان ، فقال عبد الرحمن بن الحكم ـ أخو مروان ابن الحكم ـ ، وكان جالسا عند يزيد في المجلس :
|
لهام بجنب الطف أدنى قرابة |
|
من ابن زياد العبد ذي النسب الوغل (١) |
|
سمية أمسى نسلها عدد الحصى |
|
وبنت رسول الله ليست بذي نسل |
فقال يزيد : نعم! فلعن الله ابن مرجانة إذ أقدم على قتل مثل الحسين ابن فاطمة ؛ أما والله ، لو كنت أنا صاحبه لما سألني خصلة إلّا أعطيته إياها ، ولدفعت عنه الحتف بكل ما استطعت ، ولو بهلاك بعض ولدي ولكن إذا قضى الله أمرا لم يكن له مرد.
وروي : أنّ يزيد نظر إلى عبد الرحمن ، وقال : سبحان الله! أفي هذا الموضع تقول ذلك أما يسعك السكوت؟
قال : ثمّ اتي بالرأس حتى وضع بين يدي يزيد في طست من ذهب ، فنظر إليه وأنشد:
__________________
(١) الوغل : المدعي نسبا كاذبا.
![مقتل الحسين للخوارزمي [ ج ٢ ] مقتل الحسين للخوارزمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3229_maqtal-alhusayn-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
