فقال : يا محمد. فقلت : لبّيك. قال : فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت : ما أدرى ـ ثلاثا. قال : فرأيته وضع كفّه بين كتفي ، فوجدت برد أنامله بين ثديى ، فتجلّى لي كلّ شيء ، وعرفت. ثم قال : يا محمد. قلت : لبّيك! قال : فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت : في الكفارات. قال : ما هن؟ قلت : مشى الأقدام إلى الحسنات ، والجلوس في المساجد بعد الصلوات ، وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال : وما الحسنات؟ قلت : إطعام الطعام ، ولين الكلام ، والصلاة والناس نيام.
قال : سل. قلت : اللهم إنى أسألك فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وحبّ المساكين ، وأن تغفر لي وترحمني ، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفّنى غير مفتون ، أسألك حبّك وحبّ من يحبّك ، وحب عمل يقرّب إلى حبّك. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : إنها حق فادرسوها ثم تعلّموها.
المسألة الثانية ـ لا خلاف أنّ المشي فيما قرب من الطاعات أفضل من الركوب ، فأمّا كلّ ما يبعد فيكون المرء بكلاله أقلّ اجتهادا في الطاعة فالركوب أفضل فيه ، ألا ترى أنّ الراكب في الجهاد أفضل من الراجل لأجل غنائه ، وهذا فرع هذا الأصل ، إذ (١) العمل ما كان أخلص وأبرّ كان الوصول إليه بالراحة أفضل.
المسألة الثالثة ـ لم يختلف الملأ الأعلى في الأصل ، وإنما اختلفوا في كيفية الفضيلة وكميتها فيجتهدون ويقولون : إنه أفضل ، كما لم يختلفوا ولا أنكروا أن يكون في الأرض قوم يسفكون الدماء ، ويفسدون في الأرض ، وإنما طلبوا وجه الحكمة فغيبت عنهم حكمته.
الآية الثانية عشرة ـ قوله تعالى (٢) : (قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ).
فيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى ـ بناء (ك ـ ل ف) في لسان العرب للإلزام والالتزام ، وقد غلط علماؤنا فقالوا : إنه فعل ما فيه مشقة ، وكلّ إلزام مشقة ، فلا معنى لاشتراط المشقة ، وهو في نفسه مشقّة ، وقد بيناه في أصول الفقه.
__________________
(١) في ش : إن.
(٢) آية ٨٦.
![أحكام القرآن [ ج ٤ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3221_ahkam-alquran-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
