لا يليق بالأولياء المتجردين للعبادة ، فكيف بالأنبياء الذين هم الوسائط المكاشفون بالغيب ، وقد بيناه في موضعه.
وروى أشهب عن مالك ، قال : بلغني أنّ تلك الحمامة أتت فوقفت قريبا من داود ، وهي من ذهب ، فلما رآها أعجبته ، فقام ليأخذها ، ففرّت من يده ، ثم صنع مثل ذلك مرتين ، ثم طارت فأتبعها بصره ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغتسل ، ولها شعر طويل ، فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجدا حتى نبت العشب من دموع عينيه ، فأما النظرة الثانية فلا أصل لها.
وقد روى عن علىّ أنه قال : لا يبلغني عن أحد أنه يقول : إن داود عليه السلام ارتكب من تلك المرأة محرّما إلا جلدته مائة وستين سوطا ، فإنه يضاعف له الحدّ حرمة للنبي صلّى الله عليه وسلم ، وهذا مما لا يصح عنه.
فإن قيل : فما حكمه عندكم؟
قلنا : أما من قال إن نبيّا زنى فإنه يقتل. وأما من نسب إليه دون ذلك من النظرة والملامسة فقد اختلف نقل الناس في ذلك ، فإن صمم أحد على ذلك فيه ونسبه إليه فإنه يناقض التعزير المأمور به.
وأما قولهم : إنه نوى إن مات زوجها أن يتزوّجها فلا شيء فيه ، إذ لم يعرضه للموت ، وبعد هذا فإنّ الذنب الذي أخبر الله عنه هو سؤاله زوجة وعدم القناعة بما كان من عدد النساء عنده ، والشهوة لا آخر لها ، والأمل لا غاية له ، فإنّ متاع الدنيا لا يكفى الإنسان وحده في ظنه ، ويكفيه الأقلّ منه ، والذي عتب الله فيه على داود تعلّق باله إلى زوج غيره ، ومدّعينه إلى متاع سواه حسبما نصّ الله عنه.
وقد قال بعضهم : إنه خطب على خطبة أوريا فمال إليها ، ولم يكن بذلك عارفا ، وهذا باطل يردّه القرآن والآثار التفسيرية كلّها.
المسألة الرابعة عشرة ـ قوله تعالى : (وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ).
لا خلاف بين العلماء أنّ الركوع هاهنا السجود ، لأنه أخوه ، إذ كلّ ركوع سجود ، وكلّ سجود ركوع ، فإنّ السجود هو الميل ، والركوع هو الانحناء ، وأحدهما يدلّ على
![أحكام القرآن [ ج ٤ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3221_ahkam-alquran-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
