المتعلمين الحاسبين ، وأفواههم مملوءة من الماء ، حتى إذا انتهى إلقاؤه ، وقال : ما معكم ـ رمى كلّ واحد بما في فمه ، وقال ما معه ليعوّدهم خزل اللسان عن تحصيل المفهوم عن المسموع. وللقوم في التعلم سيرة بديعة ، وهي أن الصغير منهم إذا عقل بعثوه إلى المكتب ، فإذا عبر المكتب أخذه بتعليم الخط والحساب والعربية ، فإذا حذقه كله أو حذق منه ما قدّر له خرج إلى المقرئ فلقّنه كتاب الله ، فحفظ منه كل يوم ربع حزب ، أو نصفه ، أو حزبا ، حتى إذا حفظ القرآن خرج إلى ما شاء الله من تعليم العلم أو تركه. ومنهم ـ وهم الأكثر ـ من يؤخّر حفظ القرآن ، ويتعلم الفقه والحديث ، وما شاء الله ، فربما كان إماما ، وهو لا يحفظه ، وما رأيت بعيني إماما يحفظ القرآن ، ولا رأيت فقيها يحفظه إلا اثنين ، ذلك لتعلموا أنّ المقصود حدوده لا حروفه ، وعلقت القلوب اليوم بالحروف ، وضيّعوا الحدود ، خلافا لأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، لكنه إنفاذ لقدر الله ، وتحقيق لوعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وتبيين لنبوته ، وعضد لمعجزته.
المسألة الثالثة ـ الباري سبحانه يجمع القرآن في قلب الرسول تيسيرا للتبليغ ، ويجمعه (١) في قلب غيره ، تيسيرا لإقامة الحجة ، فإما أن يكون شفاء لما يعرض في الصدور ، وإما أن يكون عمى في الأبصار والبصائر ، وإما أن يكون بينه وبين العلم به رين ، فيبقى تاليا ، ولا يجعل له من المعرفة ثانيا ، وهو أخفّه حالا وأسلمه مآلا ، وقد حقق الله لرسوله وعده بقوله (٢) : (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) ، وهو خبر ، وليس بأمر معنوي لثبوت الياء في الخط إجماعا ، وليس ينبغي بعد هذا تأويل ، لأنه لا يحتاج إليه.
وفي الصحيح أنه صلّى الله عليه وسلم كان يعارضه جبريل القرآن مرّة في كل شهر رمضان ، حتى كان العام الذي قبضه الله بينه وبين الآخر عارضه مرّتين ، ففطن لتأكيد الحفظ والجمع عنده ، وقال : ما أراه إلّا قد حضر أجلى ، إذ كان المقصود من بعثه إلى الخلق تبليغ الأحكام وتمهيد الشرع ، ثم يستأثر الله به على الخلق ، ويظهره برفعه إليه عنهم ، وينفذ بعد ذلك حكمه فيهم.
__________________
(١) في ش : بتيسير التبليغ وجمعه.
(٢) سورة الأعلى ، آية ٦.
![أحكام القرآن [ ج ٤ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3221_ahkam-alquran-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
