وقد روى أبو داود وغيره عن عائشة أنّ النبىّ صلّى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ، ويثيب عليها.
وفي الصحيح في الحديث ـ واللفظ للبخاري ـ قال صلّى الله عليه وسلم : لو دعيت إلى كراع لأجبت ، ولو أهدى إلىّ ذراع لقبلت. ولفظه مختلف فكان يقبلها سنّة ، ولا يستكثرها شرعة ، وإذا كان لا يعطى عطية يستكثر بها فالأغنياء أولى بالاجتناب ، لأنها باب من أبواب المذلة ، وكذلك قول من قال : إن معناه لا تعط عطية تنتظر ثوابها ، فإنّ الانتظار تعلق بالإطماع ، وذلك في حيزه بحكم الامتناع ، وقد قال الله تعالى (١) : (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى). وذلك جائز لسائر الخلق ، لأنه من متاع الحياة الدنيا ، وطلب الكسب فيها والتكاثر منها.
وأما من قال : أراد به العمل ، أى لا تستكثر به على ربك فهو صحيح (٢) ، فإنّ ابن آدم لو أطاع الله عمره من غير فتور لما بلغ لنعم الله بعض الشكر. وهذا كلّه بنى على أصل ، وهي :
المسألة الثالثة ـ وذلك أن قوله : (تَسْتَكْثِرُ) قد وردت القراءات بالروايات فيه بإسكان الراء. وروى بضمّ الراء ، فإذا أسكنت الراء كانت جوابا للأمر بالتقلل ، فيكون الأول الثاني (٣) ، وإن ضممت الراء كان الفعل بتقدير الاسم ، وكان بمعنى الحال. التقدير : ولا تمنن مستكثرا ، وكان الثاني غير الأول ، وهذا ينبنى على أصل ، وهي :
المسألة الرابعة ـ وهو القول في تحقيق المنّ ، وهو ينطلق على معنيين :
أحدهما ـ العطاء.
والثاني ـ التعداد على المنعم عليه بالنعم ، فيرجع إلى القول الأول. ويعتضده قوله تعالى (٤) : (لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى) ، وقوله (٥) : (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ). ويعضّد الثاني قوله (٦) : (فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ) ، وقوله (٧) : (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً). وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : ما أحد أمنّ علينا من ابن أبى قحافة.
والآية تتناول المعنيين كليهما. والله أعلم.
__________________
(١) سورة طه ، آية ١٣١.
(٢) في القرطبي : أى لا تمنن بعملك على الله فتستكثره فهو صحيح.
(٣) في ا : للثاني.
(٤) سورة البقرة ، آية ٢٦٤.
(٥) سورة السجدة ، آية ٨.
(٦) سورة ص ، آية ٣٩.
(٧) سورة محمد ، آية ٤.
![أحكام القرآن [ ج ٤ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3221_ahkam-alquran-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
