وفي الحديث أنه سمع عائشة تدعوا على سارق ، فقال : لا تسبّخى عنه بدعائك ، أى لا تخفّفى عنه ، فإن السارق أخذ مالها ، وهي أخذت من عرضه ، فإذا وقعت المقاصّة كان تخفيفا ممّا لها عليه من حقّ السرقة. ويعضده قوله تعالى في الأثر : من دعا على من ظلمه فقد انتصر.
وهذه إشارة إلى أن الليل عوض النهار ، وكذلك النهار عوض الليل كما تقدم في قوله تعالى (١) : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً).
المسألة الثالثة ـ في هذه الآية تنبيه على نوم القائلة الذي يستريح به العبد من قيام الليل في الصلاة أو في العلم.
المسألة الرابعة ـ في حال النبىّ صلّى الله عليه وسلم في ذلك : فقد كان يصلّى ليلا طويلا قائما ، وليلا طويلا قاعدا ، وذلك قبل موته بعام أو عامين. وكان يصلّى إحدى عشرة ركعة ، وروى ثلاث عشرة ركعة ، يوتر منها بخمس لا يجلس إلا في آخرها.
وروى أنه كان يصلّى بعد العشاء ركعتين ، ويصلّى من الليل تسعا منها الوتر ، وكان ينام أول الليل ، ويحيى آخره ، وما ألفاه السحر إلا عند أهله قائما (٢) ، وكان يوتر في آخر (٣) الليل حتى انتهى وتره إلى السحر ، وما قرأ (٤) القرآن كله قطّ في ليلة ، ولا صلّى ليلة إلى الصبح ، وكان إذا فاته قيام الليل من وجع أو غيره صلّى من النهار اثنتي عشرة ركعة ، وكان يقول : الوتر ركعة من آخر الليل ، ويقول : أو تروا قبل أن تصبحوا. وقال : صلاة آخر الليل مشهودة ، وذلك أفضل.
وهذا كله صحيح في الصحيح ، وقد بينا في شرح الحديث الجمع بين اختلاف الروايات في عدد صلاته ، فإنه كان يصلّى إحدى عشرة ركعة ، وهي كانت وظيفته الدائمة ، وكان يفتتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين ، فهذه ثلاث عشرة ركعة.
وكان يصلّى إذا طلع الفجر ركعتين ، ثم يخرج إلى صلاة الصبح ، فهذا تأويل قول من روى أنه كان يصلّى خمس عشرة ركعة.
وقد روت عائشة في الصحيح أنّ النبىّ صلّى الله عليه وسلم كان يصلّى تسع ركعات فيها الوتر ، ولعل (٥) ذلك كان حين ضعف وأسنّ وحطمه البأس ، أو كان لألم ، والله أعلم.
__________________
(١) سورة الفرقان ، آية ٦٢.
(٢) في ش : وما ألفاه السحر عند أهله إلا نائما.
(٣) في ش : كل.
(٤) في ا : وما انتهى من إقراء القرآن.
(٥) في م ، ش : وبعد.
![أحكام القرآن [ ج ٤ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3221_ahkam-alquran-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
