وابن مسعود أعرف بالأمر من ابن عباس ، لأنه شاهده (١) ، وابن عباس سمعه ، ليس الخبر كالمعاينة.
المسألة الثالثة ـ قال الشعبي في روايته : وسألوه الزاد ، وكانوا من جنّ الجزيرة ، فقال :
كلّ عظم يذكر (٢) اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر (٣) ما كان لحما ، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : فلا تستنجوا به (٤) فإنه زاد إخوانكم من الجن.
وقد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجنّ ، وقالوا : إنهم بسائط ، ولا يصحّ طعامهم ، اجتراء على الله وافتراء [عليه] (٥). وقد مهدنا الرد عليهم في كتب الأصول ، وبيّنا جواز وجودهم عقلا لعموم القدرة الإلهية ، وأوضحنا وجوب وجودهم شرعا بالخبر المتواتر من القرآن والسنة ، وأن الله خلق لهم من تيسر التصور (٦) في الهيئات ما خلق لنا من تيسر التصور (٧) في الحركات ، فنحن إلى أى جهة شئنا ذهبنا ، وهم في أى صورة شاءوا تيسّرت لهم ، ووجدوا عليها ، ولا نراهم في هيئاتهم ، إنما يتصورون في خلق الحيوانات.
وقولهم : إنهم بسائط ، فليس في المخلوقات بسيط (٨) ، بل الكلّ مركب مزدوج ، إنما الواحد الله (٩) سبحانه ، وغيره مركّب ليس بواحد كيفما (١٠) تصرّف حاله ، وليس يمتنع أن يراهم النبىّ صلّى الله عليه وسلم في صورهم ، كما يرى الملائكة ، وأكثر ما يتصوّرون لنا في صور الحيات ، ففي الحديث الصحيح (١١) ، عن مالك وغيره ، عن أبى السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبى سعيد الخدري في بيته. قال : فوجدته يصلّى ، فجلست أنتظره حتى تقضى صلاته ، فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت ، فالتفت فإذا حية ، فوثبت لأقتلها ، فأشار إلىّ أن أجلس ، فجلست ، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار ، فقال : أترى هذا
__________________
(١) في ش : شاهد.
(٢) في ش : ذكر. وفي م : لم يذكر.
(٣) في ش : أوقر.
(٤) في ش : لا تستنجوا بها فإنها. وفي م : لا تستنجوا بهما فإنهما.
(٥) ليس في ش ، م.
(٦) في م : الصور.
(٧) في ش : بسائط.
(٨) في ش : الواحد الواحد.
(٩) في ش : ما.
(١٠) مسلم : ١٧٥٦.
![أحكام القرآن [ ج ٤ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3221_ahkam-alquran-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
