الملك إلا حقا ، ولكن الأمر احتمل عند النبي صلّى الله عليه وسلم أن تكون الرؤيا باسمها أو تكون بكنيتها ، فإن كانت باسمها فتكون هي الزوجة ، وإن كانت الرؤيا مكنّاة فتكون في أختها أو قرابتها أو جارتها ، أو من يسمّى باسمها ، أو غير ذلك من وجوه التشبيهات فيها ، وهذا أصل تقرّر في الباب فليحفظ وليحصّل ، فإنه أصله.
المسألة الرابعة ـ قد جرى في هذه الآية غريبة قد بيناها حيث وقعت من كلامنا ، ذكرها جميع علمائنا مع أحزاب الطوائف ، وهي مسألة النسخ قبل الفعل ، لأنه رفع الأمر بالذبح قبل أن يقع الذبح ، ولو وقع لم يتصوّر رفعه.
وقال المخالفون : إنه لم ينسخ ، ولكنه نفذ الذبح ، وكان كلما قطع جزءا التأم ، فاجتمع الذّبح والإعادة لموضعها حسبما كانت.
وقالت طائفة : وجد حلقه نحاسا أو مغشّى بنحاس ، فكان كلما أراد قطعا وجد منعا ، وذلك كلّه جائز في القدرة الإلهية ، ولكن (١) يفتقر إلى نقل صحيح ، فإنه لا يدرك بالنظر ، وإنما طريقه الخبر ، وكان الذبح والتئام الأجزاء بعد ذلك أوقع في مطلوبهم من وضع النحاس موضع الجلد واللحم ، وكله أمر بعيد من العلم ، وباب التحقيق فيها ومسلكه ما بيناه واخترناه ، فأوضحنا لبابه الذي لم نسبق إليه إن شاء الله تعالى : قال ـ مخبرا عن إبراهيم: إنه قال لولده : (يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى. قالَ : يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا).
وقد ثبت أنّ رؤيا الأنبياء وحى ، لأنّ الرؤيا إما أن تكون من غلبة الأخلاط كما تقول الفلاسفة وتلك أخلاط ، وأيها فليس لها بالأنبياء أخلاط ، وإما أن تكون من حديث النفس ولم يحدّث إبراهيم قط نفسه بذبح ولده ، وإما أن تكون من تلاعب الشيطان ، فليس للشيطان على الأنبياء سبيل في (٢) تخييل ولا تلاعب ، حسبما بيناه وقررناه ومهّدناه وبسطناه.
فقال إبراهيم لابنه : رأيت أنى أذبحك في المنام ، فأخذ الوالد والولد الرؤيا بظاهرها واسمها ، وقال له : افعل ما تؤمر ، إذ هو أمر من قبل الله تعالى ، لأنهما علما أن رؤيا الأنبياء وحى الله ، واستسلما لقضاء الله ، هذا في قرّة عينه ، وهذا في نفسه أعطى ذبحا فداء،
__________________
(١) في ش : ولكنه.
(٢) في م : من.
![أحكام القرآن [ ج ٤ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3221_ahkam-alquran-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
