وقيل له : هذا فداؤك ، فامتثل فيه ما رأيت فإنه حقيقة ما خاطبناك فيه ، وهو كناية لا اسم ، وجعله مصدّقا للرؤيا بمبادرته الامتثال ، فإنه لا بد من اعتقاد الوجوب والتهيّؤ للعمل.
فلما اعتقدا الوجوب ، وتهيّآ للعمل ، هذا بصورة الذابح ، وهذا بصورة المذبوح ، أعطى محلا للذبح فداء عن ذلك المرئي في المنام ، يقع موضعه برسم الكناية وإظهار الحق الموعود فيه.
فإن قيل : قد قال له الولد : (يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ) فأين الأمر؟
قلنا : هما كلمتان إحداهما من الوالد إبراهيم ، والثانية من الولد إسماعيل. فأما كلمة إبراهيم فهي قوله أذبحك ، وهو خبر لا أمر ، وأما كلمة إسماعيل : افعل ما تؤمر ، وهو أمر ، وقول إبراهيم : (إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) وإن كانت [صيغته] (١) صيغة الخبر فإن معناها (٢) الأمر ضرورة ، لأنه لو كان عبارة عن خبر واقع لما كان له تأويل ينتظر ، وإنما هو بصيغة الخبر ، ومعناه الأمر ضرورة. فقال إسماعيل لأبيه إبراهيم : (افْعَلْ ما تُؤْمَرُ) ، فعبّر عن نفسه بالانقياد إلى معنى خبر أبيه ، وهو الأمر ، ولذلك قال الله تعالى : (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا) حين تيسّرا للعمل ، وأقبلا على الفعل ، فكان صدقها ذبحا مكانها ، وهو الفداء ، وكان ذلك أمرا في المعنى ضرورة ، فكان ما كان من إبراهيم امتثالا ، ومن إسماعيل انقيادا ، ووضحت المعاني بحقيقتها ، وجرت الألفاظ على نصابها لصوابها ، ولم يحتج إلى تأويل فاسد يقلب الجلد نحاسا أو غيره.
المسألة الخامسة ـ لما قررنا حظّ التفسير والأصول في هذه الآية تركبت عليها مسألة من الأحكام (٣) ، وهو إذا نذر الرجل ذبح ولده. فقال الشافعى : هي معصية يستغفر الله منها ـ وقال أبو حنيفة : هي كلمة يلزمه بها ذبح شاة.
وقال أبو عبد الله إمام دار الهجرة : يلزمه ذبح شاة في تفصيل بيناه في كتب الفروع.
والذي ذكرناه هو الذي ننظره (٤) الآن.
ودليلنا أنّ الله تعالى جعل ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة شرعا ، فألزم الله إبراهيم ذبح الولد (٥) ، وأخرجه عنه بذبح الشاة ، وكذلك إذا نذر العبد ذبح ولده يجب أن يلزمه ذبح شاة ، لأن
__________________
(١) من م
(٢) في م : معناه.
(٣) هنا في هامش م : مسألة «إذا نذر ذبح ولده».
(٤) في م : ننصره.
(٥) في م : ولده.
![أحكام القرآن [ ج ٤ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3221_ahkam-alquran-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
