المسألة الثانية ـ دعا نوح على الكافرين أجمعين ، ودعا النبىّ صلّى الله عليه وسلم على من تحزّب على المؤمنين ، وألّب عليهم ، وكان هذا أصلا في الدعاء على الكفار في الجملة ، فأما كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يدعى عليه ، لأن مآله عندنا مجهول ، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة للسعادة ، وإنما خصّ النبىّ صلّى الله عليه وسلم الدعاء على عتبة وشيبة وأصحابه لعلمه بمآلهم ، وما كشف له من الغطاء عن حالهم. والله أعلم.
المسألة الثالثة ـ إن قيل : لم جعل نوح دعوته على قومه سببا لتوقّفه عن طلب الشفاعة للخلق من الله في الآخرة.
قلنا : قال الناس في ذلك وجهان :
أحدهما ـ أن تلك الدعوة نشأت عن غضب وقسوة ، والشفاعة تكون عن رضا ورقة ، فخاف أن يعاتب بها ، فيقال : دعوت على الكفار بالأمس وتشفع لهم اليوم.
الثاني ـ أنه دعا غضبا بغير نص ولا إذن صريح في ذلك ، فخاف الدرك فيه يوم القيامة ، كما قال موسى : إنى قتلت نفسا لم أومر بقتلها ، وبهذا أقول والله أعلم ، وتمامه قد ثبت في القسم الثاني.
الآية الثالثة ـ قوله تعالى (١) : (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً) (٢).
قال المفسرون : معناه مسجدى ، فجعل دخول المسجد سببا للدعاء بالمغفرة ، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم : إنّ الملائكة تصلّى على أحدكم ما دام في مصلّاه الذي صلّى فيه ما لم يحدث ، تقول : اللهم اغفر له ، اللهم الرحمة ، حسبما ثبت في صحيح الرواية.
وفضل المساجد كثير ، قد أثبتناه في صحيح الحديث وشرحه.
__________________
(١) آية ٢٨.
(٢) التبار : الهلاك.
![أحكام القرآن [ ج ٤ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3221_ahkam-alquran-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
