وحقيقة الإدهان إظهار المقاربة مع الاعتقاد للعداوة ، فإن كانت المقاربة (١) باللين فهي مداهنة ، وإن كانت مع سلامة الدين فهي مداراة أى مدافعة.
وقد ثبت في الصحيح عن عائشة أنه استأذن على النبي صلّى الله عليه وسلم رجل فقال : ائذنوا له ، بئس أخو العشيرة هو ، أو ابن العشيرة. فلما دخل ألان له الكلام ، فقلت له : يا رسول الله ، قلت ما قلت ، ثم ألنت له في القول! فقال لي : يا عائشة ، إنّ شر الناس منزلة من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه.
وقد ثبت أنّ النبي صلّى الله عليه وسلم قال : مثل المداهن في حدود الله والقائم عليها كمثل قوم استهموا في سفينة ، فأصاب بعضهم أعلاها ، وأصاب بعضهم أسفلها ، فأراد الذين في أسفلها أن يستقو الماء على الذين في أعلاها فمنعوهم ، فأرادوا أن يستقوا الماء في أسفل السفينة ، فإن منعوهم نجوا ، وإن تركوهم هلكوا جميعا.
وقد قال الله تعالى (٢) : (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ). قال المفسرون : يعنى مكذّبون ، وحقيقته ما قدمناه ، أى أفبهذا الحديث أنتم مقاربون في الظاهر مع إضمار الخلاف في الباطن ، يقولون : الله ، الله. ثم يقولون : مطرنا بنجم كذا ، ونوء كذا ، ولا ينزّل المطر إلا الله سبحانه غير مرتبط بنجم ولا مقترن بنوء. وقد بيناه في موضعه.
المسألة الثانية ـ قال الله سبحانه : (لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) ، فساقه على العطف ، ولو جاء به جواب التمني (٣) لقال فيدهنوا ، وإنما أراد أنهم تمنّوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك عطفا ، لا جزاء عليه ، ولا مكافأة له ، وإنما هو تمثيل وتنظير.
الآية الثالثة ـ قوله تعالى (٤) : (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ).
فيها مسألتان :
المسألة الأولى ـ قوله تعالى : (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ).
ذكر فيه أهل التفسير قولين :
__________________
(١) في ا : المقارنة بالدين.
(٢) سورة الواقعة ، آية ٨١.
(٣) في م ، ش : النهى.
(٤) آية ١٦.
![أحكام القرآن [ ج ٤ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3221_ahkam-alquran-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
