وحققنا أنّ الولاية هي القرب ، وأنّ العداوة هي البعد ، وأوضحنا أنّ القرب والبعد يكونان حقيقة بالمسافة ، وذلك محال في حقّ الإله ، ويكونان بالمودة والمنزلة ، وذلك جائز في حق الإله ، وكلا الوجهين يجوز على الخلق.
والمراد بالعداوة هاهنا بعد المودة والمنزلة ، فإن الزوجة قريب ، والولد قريب ، بحكم المخالطة ، والصحبة ، ولكنهما قد يقربان بالألفة الحسنة والعشرة الجميلة ، فيكونان وليّين ، وقد يبعدان بالنفرة والفعل القبيح ، فيكونان عدوين ، وعن هذا أخبر الله سبحانه ، ومنه حذّر ، وبه أنذر.
المسألة الثانية ـ ثبت عن ابن عباس من طريق الترمذي وغيره أنه سأله رجل عن هذه الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) قال : هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة ، وأرادوا أن يأتوا النبىّ صلّى الله عليه وسلم ، وأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا النبىّ صلّى الله عليه وسلم ، فلما أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم ورأوا الناس فقهوا في الدين همّوا أن يعاقبوهم ، فأنزل الله عز وجل : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ).
المسألة الثالثة ـ هذا يبين (١) وجه العداوة ، فإن العدو لم يكن عدوّا لذاته ، وإنما كان عدوّا لفعله ، فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدوا ، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وبين الطاعة.
وفي صحيح مسلم ، عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال : إن الشيطان قعد لابن آدم في طريق الإيمان. فقال له : أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك ، فخالفه فآمن. ثم قعد له على طريق الهجرة ، فقال له : أتهاجر وتترك (٢) أهلك ومالك ، فخالفه فهاجر ، فقعد له في طريق الجهاد ، فقال : أتجاهد فتقتل نفسك وتنكح نساؤك ، ويقسم مالك ، فخالفه فجاهد فقتل ، فحقّ على الله أن يدخله الجنة.
وقعود الشيطان يكون بوجهين :
__________________
(١) في ش : تبيين.
(٢) في ش : وتذر.
![أحكام القرآن [ ج ٤ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3221_ahkam-alquran-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
