قالت عمتي الرّبيّع بنت النضر : فما عرفت أخى إلا ببنانه ، ونزلت هذه الآية (١) : (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ، وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً).
وكذلك روى طلحة أنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابى جاه : سله عمن قضى نحبه منهم ، وكانوا لا يجترءون على مسألته ؛ يوقّرونه ويهابونه ـ فسأله الأعرابى ، فأعرض عنه ، ثم سأله عنه فأعرض عنه ، ثم إنى اطلعت من باب المسجد ، وعلىّ ثياب خضر ، فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم قال : أين السائل عمن قضى نحبه؟ قال الأعرابى : ها أنا ذا يا رسول الله. قال : هذا ممن قضى نحبه.
النحب : النذر.
المسألة الثالثة ـ قال ابن وهب : قال مالك : سمعت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان انتقل إليه سعد بن معاذ يوم الخندق حين أصابته الجراح في خصّ عنده في المسجد ، فكان فيه ، وكان جرحه ينفجر ، ثم يفيق عنه ، فخرج منه دم كثير حتى سال في المسجد ، فمات منه.
وبلغني أنّ سعد بن معاذ مرّ بعائشة رضى الله عنها ونساء معها في الأطم الذي يقال له فارع ، وعليه درع مقلّصة (٢) ، مشمّر الكمّين ، وبه أثر صفرة وهو يرتجز :
|
لبّث قليلا يشهد (٣) الهيجا حمل |
|
لا بأس بالموت إذا حان الأجل (٤) |
فقالت عائشة : إنى لست أخاف أن يصاب سعد اليوم إلا من أطرافه ، فأصيب في أكحله (٥).
قال القاضي : فروى أنّ الذي أصابه عاصم بن قيس بن العرقة ، فلما أصابه قال : خذها منى وأنا ابن العرقة.
فقال له سعد : عرّق الله وجهك في النار ، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقنى لها ، فإنه لا قوم أحبّ إلىّ أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه ،
__________________
(١) آية ٢٣.
(٢) مقلصة : مجتمعة منضمة.
(٣) في م : يدرك. وفي القرطبي : يلحق.
(٤) قال السهيلي : هو بيت تمثل به ، يعنى به حمل بن سعدانة.
(٥) الأكحل : عرق في اليد أو هو عرق الحياة. كما تقدم.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
