المسألة الثانية ـ قوله : (مِنْ قَلْبَيْنِ).
القلب : بضعة (١) صغيرة الجرم على هيئة الصنوبرة ، خلقها الله تعالى في الآدمي وجعلها محلّا للعلم. والروح أيضا ، في قول ، يحصى به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار ، يكتبه الله له فيه (٢) بالخط الإلهى ، ويضبطه فيه بالحفظ الرّبانى حتى يحصيه ولا ينسى منه شيئا.
وهو بين لمتين : لمة (٣) من الملك ، ولمة من الشيطان ، كما تقدم بيانه في الحديث.
وهو محلّ الخطرات والوساوس ، ومكان الكفر والإيمان ، وموضع الإصرار والإنابة ، ومجرى الانزعاج والطمأنينة.
والمعنى في الآية أنه لا يجتمع في القلب الكفر والإيمان ، والهدى والضلال ، والإنابة والإصرار ، وهذا نفى لكل ما توهّمه أحد في ذلك من حقيقة أو مجاز.
المسألة الثالثة ـ قوله : (وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ).
نهى الله سبحانه أن تكون الزوجة أمّا بقول الرجل : هي علىّ كظهر أمىّ. ولكنه حرّمها عليه ، وجعل تحريم القول يمتدّ إلى غاية ، وهي الكفّارة ، على ما يأتى بيانه (٤) في سورة المجادلة.
المسألة الرابعة ـ قوله : (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ).
كان الرجل يدعو الرجل ابنا إذا ربّاه ، كأنه تبنّاه ، أى يقيمه مقام الابن ، فردّ الله عليهم قولهم ، لأنهم تعدّوا به إلى أن قالوا : المسيح ابن الله. وإلى أن يقولوا زيد بن محمد. فمسخ الله هذه الذّريعة ، وبت (٥) حبلها ، وقطع وصلها بما أخبر من إبطال ذلك.
الآية الثانية ـ قوله تعالى (٦) : (ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً).
فيها خمس مسائل :
__________________
(١) البضعة : القطعة من اللحم ـ بالفتح وقد تكسر.
(٢) في القرطبي : بالخط الإلهى.
(٣) اللمة ـ بالفتح : الخطرة تقع في القلب.
(٤) صفحة ١٧٣٤.
(٥) بت : قطع.
(٦) آية ٥.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
